الناتج المحلي الإجمالي مؤشر مضلل انتهى عُمره

يَرِدُ الاختصار «ВВП - GDP» اليوم في وسائل الإعلام في كل منشورٍ اقتصادي تقريباً. وهو اختصار لعبارة «الناتج المحلي الإجمالي». ويُعدّ الناتج المحلي الإجمالي المؤشرَ الماكرو-اقتصادي الأهم في معظم دول العالم. فمن خلاله تُقاس أحجام الاقتصادات الوطنية والعالمية، وديناميات التطور الاقتصادي للدول والمناطق والعالم ككل، كما تُقارن اقتصادات الدول ببعضها البعض. وللأكثر فضولاً، تُقدَّم أيضاً إحصاءات عن بنية الناتج المحلي الإجمالي، بحسب الإنتاج والاستهلاك والدخل.

فالنتين كاتوسونوف

وُلد مؤشر الناتج المحلي الإجمالي في أمريكا. ويُعتبر تاريخ 7 حزيران 1934 تاريخ ميلاده، حين نشرت وزارة التجارة الأمريكية لأول مرة معلومات عن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وكان ذلك في تقرير بعنوان «الدخل القومي، 1929—1932»، من إعداد الاقتصادي الأمريكي من أصل روسي سايمون كوزنتس. وقد حصل عام 1971 على جائزة نوبل في الاقتصاد. أوضح التقرير المذكور، أن الناتج المحلي الإجمالي هو القيمة الإجمالية للقيم المضافة التي أنشأتها مختلف قطاعات وفروع الاقتصاد، وأنه المؤشر الأكثر كمالاً لقياس مستوى رفاه السكان.

نال هذا المؤشر اعترافاً دولياً بعد عام 1953، عندما أُدرج ضمن نظام الحسابات القومية للأمم المتحدة. ومن حين لآخر أُدخلت تعديلات على منهجية احتساب الناتج المحلي الإجمالي، لكن المفهوم العام للمؤشر لم يتغير. واستُخدم للاستمرار في تحديد ديناميات الاقتصاد، بما في ذلك مراحل الدورة الاقتصادية: الركود، الجمود، الانتعاش، النمو.
لكن مع مرور الوقت، بدأت تظهر عيوب المؤشر بشكل متزايد. فقد أصبحت العديد من أنواع الخدمات، من حيث حجم القيمة المضافة، قابلة للمقارنة مع الإنتاج السلعي. وفي ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أصبح إسهام القطاع الحقيقي «الزراعة، الصناعات الاستخراجية والتحويلية، البناء، الطاقة، وغيرها» في تكوين الناتج المحلي الإجمالي أقل من إسهام قطاع الخدمات في عدد من الدول التي كانت تُسمّى «اقتصادات متقدمة». وقد وصف بريجنسكي هذه المرحلة في كتابه «العصر التكنوتروني» بأنها دخول في مرحلة «المجتمع ما بعد الصناعي». غير أن كثيراً من هذه الخدمات لم تكن في الواقع تخلق قيمة مضافة، بل كانت تشارك في إعادة توزيع القيمة المضافة التي يخلقها القطاع الحقيقي. وبدأ الناتج المحلي الإجمالي يشمل، على سبيل المثال: القيمة المضافة لقطاع الإدارة الحكومية.

لم يكن ليتخيل كوزنتس حتى في أسوأ كوابيسه، أن الموظفين الحكوميين يشاركون في خلق قيمة مضافة. فهم يستهلكون هذه القيمة المضافة على شكل سلع، ولا يمكنهم خلقها. ومع الوقت، بدأ قطاعا التجارة والتمويل، وأعمال العقارات، وغيرهم من الوسطاء، يسهمون بشكل متزايد في تكوين الناتج المحلي الإجمالي. وهكذا تلاشت تقريباً الحدود بين خلق الناتج المحلي الإجمالي واستهلاكه. ووفقاً لبيانات البنك الدولي، بلغت حصة قطاع الخدمات من الناتج المحلي الإجمالي في أمريكا عام 2024 نسبة 79,68%.
ولم تقتصر حالة المجتمع ما بعد الصناعي على أمريكا وحدها، بل شملت العالم كله. فبحسب البنك الدولي، بلغ المتوسط العالمي لحصة الخدمات في هيكل القيمة المضافة عام 2023 نحو 61,8%.
بطبيعة الحال، هناك جزء من الخدمات ضروري للحياة، مثل: النقل والاتصالات والتجارة وغيرها. لكن حتى هذه الخدمات غالباً ما تُقيَّم بشكل مبالغ فيه، لأنها تخلق «قيمة مضافة» عبر رفع الأسعار. ويعتقد خبراء أمريكيون أن السلع والخدمات الضرورية فعلاً لا تشكل في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي سوى أقل من النصف، بينما يمكن وصف الباقي بـ«الرغوة». ولهذا يُشبَّه الناتج المحلي الإجمالي اليوم بكأس من الجعة، تكون فيه «الرغوة» أكثر من «السائل».

وأضيف إلى ذلك، أن هذه الكأس تحتوي أيضاً على مكوّن «سامّ». أي إن الناتج المحلي الإجمالي يشمل نتائج بعض الأنشطة التي كانت تُعدّ سابقاً إجرامية. فعلى سبيل المثال: جرى في عدد من الدول الأوروبية تقنين بيوت الدعارة، وتجارة بعض أنواع المخدرات وغيرها. ووفقاً لذلك، أُدخلت تعديلات على منهجيات احتساب الناتج المحلي الإجمالي. فقد أعلن مكتب الإحصاء الوطني في بريطانيا عام 2014 أن القواعد الجديدة للمحاسبة الإحصائية «ساعدت في تحسين أوضاع الاقتصاد». وبالفعل، وبضغطة زر على لوحة المفاتيح، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بمقدار 16,75 مليار دولار، أي بنسبة 0,7%.
كما تحسّنت «الديناميات الاقتصادية» لألمانيا بشكل ملحوظ، خاصة أن الدعارة مقنّنة فيها منذ عام 2002. ووفقاً للبيانات الرسمية، «عمل» في ألمانيا عام 2014 نحو 400 ألف بائعة وبائع هوى، بينهم 20 ألف رجل، وبلغ إجمالي دخلهم السنوي 14,6 مليار يورو. وقد بلغت القيمة المضافة الإجمالية لهذا «العمل» نحو 7,3 مليارات يورو، بعد خصم التكاليف، مثل: إيجارات الأماكن والنقل وغيرها. وهكذا أُضيف «وزن» لا بأس به إلى مؤشر الناتج المحلي الإجمالي.
قبل بضع سنوات نشرت مقالاً بعنوان «ما هو ВВП؟». وكتبت فيه: «بفضل المنهجية الجديدة جرى تحقيق «تسارع اقتصادي» في دول «متحضّرة» مثل: السويد وفنلندا والنمسا وهولندا. لم يعد الأمر مجرد إحصاء لناتج افتراضي إجمالي، بل أصبح إحصاءً لأرض المجون!».

في عدد متزايد من دول العالم، تتعالى انتقادات حادة لأجهزة الإحصاء التي تواصل احتساب الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك للهيئات الحكومية التي لا تزال تعتمد عليه. ويصف النقاد هذا المؤشر بأنه «ميزان حرارة فاسد» أو «بوصلة مكسورة». بعض الدول تواصل احتساب هذا المؤشر شكلياً فقط، من أجل تقديمه للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.
قال روبرت كينيدي الابن: «الناتج المحلي الإجمالي يقيس كل شيء، باستثناء ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش». وهو يلمّح إلى ضرورة وجود مؤشرات أخرى إلى جانب الناتج المحلي الإجمالي.
عندما كان ساركوزي رئيساً لفرنسا، أنشأ الاقتصادي الأمريكي المعروف والناقد لمؤشر الناتج المحلي الإجمالي جوزيف ستيغليتز، لجنة خاصة كُلّفت بتطوير مؤشر «أكثر صدقاً» يأخذ في الاعتبار جميع عناصر تطور أي بلد، وليس فقط المعاملات السوقية. غير أن توصيات اللجنة لم تُنفّذ لا في الأمم المتحدة، ولا في فرنسا، ولا في أمريكا، ولا في أي دولة أخرى.
ومع ذلك، جرى في بعض الأماكن استخدام مؤشرات إضافية أو بديلة. فقد أنشأت الصين عام 2006 مؤشر «الناتج المحلي الإجمالي الأخضر GGDP»، وهو مقياس للإنتاج الاقتصادي الوطني يأخذ في الحسبان العوامل البيئية.

--_result


أما أكثر المواقف راديكالية، فتظهرها دولة بوتان. ففي عام 1972 اقترح ملك بوتان، بديلاً عن الناتج المحلي الإجمالي، مؤشر «السعادة الوطنية الإجمالية». وتستند الفكرة إلى الحفاظ على القيم الثقافية والدينية للبلاد، وهي مثبتة رسمياً في الدستور. وتُجري السلطات استطلاعات اجتماعية منتظمة لتحديد مجالات عدم رضا المواطنين، ثم تتخذ إجراءات لمعالجة المشكلات. وتتولى هذه المهام هيئة خاصة هي «لجنة السعادة الوطنية الإجمالية» (Gross National Happiness Commission)، التي تعمل على تطوير منهجية الحساب، وتنفيذ الحسابات العملية للمؤشر. وفي الدراسات المتعلقة ببوتان، يُشار إلى هذه الهيئة غالباً باسم «وزارة السعادة».
ومع ذلك، شهد المستوى الدولي بعض التحركات. فقد ظهر مؤشر التنمية البشرية الذي يُنشر في إطار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويُستخدم أحياناً كمكمّل لمؤشر الناتج المحلي الإجمالي. كما طوّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤشرات «الحياة الأفضل». وابتكرت «مؤسسة الاقتصاد الجديد» مؤشراً دولياً للسعادة «Happy Planet Index». وتنشر شركة Economist Intelligence Unit مؤشر «قابلية العيش»، وهو تقييم سنوي لجودة الحياة في مدن العالم، وغيرها من المؤشرات.
حتى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تجرأ على انتقاد عيوب الناتج المحلي الإجمالي. ففي محاضرة ألقاها عام 2020، أشار إلى أن العديد من الأنشطة البشرية تزيد الناتج المحلي الإجمالي، لكنها تُلحق ضرراً لا يمكن إصلاحه بالطبيعة والبيئة. وقال: «يتزايد وعي الناس بحدود المعايير التقليدية، مثل: الناتج المحلي الإجمالي، حيث يمكن اعتبار الأنشطة المضرّة بالبيئة مجدية اقتصادياً».

حتى وقت قريب، كان الأمر شبه محرّم بين قادة الدول، ولا سيما الاقتصادات الكبرى، القيام بانتقاد الناتج المحلي الإجمالي. فقد كان رؤساء الحكومات والمستشارون والرؤساء يوجّهون سياساتهم دون تردد وفق هذا المؤشر، ويبذلون كل ما بوسعهم لتحقيق أعلى معدلات نمو فيه. ولفترة طويلة، كانت الصين صاحبة الرقم القياسي في معدلات النمو الاقتصادي المقاسة بالناتج المحلي الإجمالي. ويكفي القول: إن متوسط النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الصين بين عامي 1978 و2005 بلغ 10%. وبالطبع، تراجعت هذه المعدلات في السنوات الأخيرة، لكنها لا تزال أعلى بكثير من المتوسط العالمي، ومن معدلات الدول الغربية. وقد حددت القيادة الحزبية-الدولية في الصين هدفاً بنمو قدره 5% سنوياً. وبحسب نتائج عام 2024، بلغ النمو فعلاً 5%. أما في عام 2025، فوفقاً لتقديرات البنك الدولي، من المرجح ألا يصل النمو إلى هذه العتبة، إذ سيبلغ نحو 4,5%.
توقع بعض المراقبين، أن يُعنّف الرئيس الصيني شي جين بينغ المسؤولين الحكوميين ويطالبهم باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق نسبة 5%. غير أن ما حدث كان مختلفاً. ففي كلمته خلال المؤتمر الاقتصادي المركزي في بكين في كانون الأول 2025 «وهو اجتماع شبه مغلق»، وجّه شي جين بينغ بالفعل انتقادات حادة للمسؤولين. وأشار إلى الحدائق الصناعية غير المبررة، والاستعراضات الشكلية عبر التوسع العشوائي في المعارض والمنتديات المحلية، واستمرار بناء «مدن الأشباح» التي تبقى شققها غير مأهولة، وارتفاع الدين الحكومي، وغيرها.

ونقلت صحيفة «رنمين ريباو» مقتطفات من كلمته: «يجب أن يستند كل التخطيط إلى الوقائع، وأن يسعى إلى نمو حقيقي وأصيل من دون مبالغة، وأن يعزز تنمية عالية الجودة ومستدامة. وسيُحاسَب بصرامة أولئك الذين يتصرفون بشكل غير واقعي، أو متسرع، أو متهور، أو فوضوي». وقد ركزت التعليقات الكثيرة على الخطاب على أن الزعيم الصيني حذّر المسؤولين من الهوس بزيادة الناتج المحلي الإجمالي كمّياً، بما في ذلك عبر التلاعب الإحصائي، ودعا إلى التركيز على جودة الناتج المحلي الإجمالي. ووفقاً لصحيفة «رنمين ريباو»، فإن الهدف الاقتصادي الأعلى الذي حدده الرفيق شي هو حل مشكلة «ضمان سبل عيش السكان». أي إن على الصين الابتعاد عن تقديس مؤشر الناتج المحلي الإجمالي.

وأخيراً، جاءنا حدثٌ ذي صلة مباشرة بموضوع «الناتج المحلي الإجمالي– بوصلة الاقتصاد المكسورة». ففي كانون الثاني من هذا العام، عُقد في جنيف اجتماع لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بمراجعة مؤشر الناتج المحلي الإجمالي. وقد أُنشئ الفريق في إطار مبادرة «ما بعد الناتج المحلي الإجمالي»، المدعومة من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد». وتهدف هذه الحركة إلى إحداث تغيير جذري في مقاربة تقييم النمو الاقتصادي، وتطوير مؤشرات أكثر ملاءمة للتنمية، تشمل إلى جانب الاقتصاد، الرفاه الاجتماعي، والاستدامة البيئية، وجودة الحياة.
شارك في الاجتماع أكثر من عشرة اقتصاديين بارزين، من بينهم الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستيغليتز، والاقتصادي الهندي كوشيك باسو، والاقتصادية الأمريكية المتخصصة في قضايا المساواة نورا لوستيغ، وغيرهم.
ورافق خبر الاجتماع على موقع مكتب الأمم المتحدة في جنيف اقتباس للأمين العام أنطونيو غوتيريش قال فيه: «نشهد كل يوم عواقب عجزنا عن تحقيق التوازن بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية». وأضاف: «إن تجاوز الناتج المحلي الإجمالي أمر أساسي لبناء نظام اقتصادي يقدّر ما هو مهم حقاً– رفاه الإنسان– الآن وفي المستقبل، للجميع».

كما طُرح موضوع الناتج المحلي الإجمالي في اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. ففي اليوم الأول للاجتماع، ألقى لاري فينك، رئيس أكبر شركة استثمارية في العالم BlackRock «بحجم أصول بلغ مطلع عام 2026 نحو 14 تريليون دولار»، كلمة شديدة اللهجة إلى حدّ ما. وكان جوهر كلمته أن الرأسمالية المعاصرة تعيش أزمة عميقة للغاية، وأن إنقاذها يتطلب إصلاحاً جذرياً، بما في ذلك إصلاح المؤشرات التي يسترشد بها السياسيون ورجال الأعمال. وقد شكك، من بين أمور أخرى، في الاعتماد على الناتج المحلي الإجمالي، قائلاً: «الازدهار ليس مجرد نمو إجمالي. ولا يمكن قياسه فقط بالناتج المحلي الإجمالي، أو بالقيمة السوقية لأكبر الشركات».
وأختتم تأملاتي بالقول: إن الناتج المحلي الإجمالي اليوم لم يعد مقياساً للازدهار والرفاه الاجتماعي، بل أصبح مؤشراً على أزمة عميقة تعصف بالرأسمالية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1264