بيع سورية بالجملة والمفرق:الخصخصة بوصفها اغتيالاً للمستقبل
لطالما سُوّقت خصخصة القطاع العام في أدبيات الاقتصاد النيوليبرالي على أنها العصا السحرية لانتشال الدول من وحل البيروقراطية والترهل الإداري. حيث يُقال لنا بعبارات زائفة ومنمقة إن الدولة «تاجر فاشل»، وإن القطاع الخاص هو عنوان الكفاءة والجودة. ولكن، خلف هذه الشعارات البراقة، تكمن حقيقة مرعبة، خاصة فيما يعرف بدول العالم الثالث والاقتصادات الناشئة. فالخصخصة في جوهرها ليست سوى عملية «نقل ملكية» ممنهجة لثروات الشعب المتراكمة عبر عقود، لتصب في جيوب قلة قليلة من المنتفعين. إنها عملية سطو مقنن، تنتزع فيها أصول الدولة التي بنيت بعرق ودماء الناس، لتباع بأبخس الأثمان تحت مسمى «الاستثمار» و«التشاركية». من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الخصخصة بوصفها إجراء اقتصادي عابر، بل قرار سياسي بامتياز يهدف إلى إعادة هندسة المجتمع طبقياً، وسحب البساط من تحت أقدام الفقراء، وتحويل المواطن من صاحب حق في ثروات بلاده إلى مجرد «زبون» مستهلك، لا قيمة له إن لم يمتلك المال. وهذا التحول ليس مجرد تغيير بسيط في الملكية داخل المجتمع، بل إعلان صريح بأن الدولة تخلت عن مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية تجاه مواطنيها، تاركة إياهم فريسة لحيتان السوق الذين لا يعرفون سوى لغة الربح ومراكمة الثروات.
إذا كانت الخصخصة في الدول المستقرة تحمل مخاطر جمة، فإن الحديث عنها في الحالة السورية الراهنة يرتقي إلى مصاف الضربة القاصمة لمصالح السوريين. فسورية، التي لم تخرج تماماً بعد من عقد ونيف من الحرب المدمرة، وبنيتها التحتية متهالكة، وشعبها الذي يرزح تحت خط الفقر بنسب غير مسبوقة عالمياً، لا تحتاج إلى بيع ما تبقى من أصولها، بل إلى دولة قوية تلملم الجراح وتعيد البناء الاقتصادي. والدفع باتجاه خصخصة القطاع العام اليوم، أو الالتفاف عليه عبر مسميات «التشاركية» أو «الاستثمار»، هو بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على الاقتصاد الوطني وقدرة الدولة على النهوض مجدداً.
في سورية اليوم، توجد نخب كبيرة فاسدة نشأت وترعرعت في رحم الحرب، واغتنت من مآسي السوريين. وتسليم هذه الفئة مفاتيح القطاعات الحيوية كالكهرباء، والمطارات، والموانئ، والخدمات الأساسية، لا يمكن النظر إليه بوصفه إصلاحاً اقتصادياً، بل تسليم لرقاب السوريين لجلاديهم الاقتصاديين. وفوق ذلك، فإن بيع أصول الدولة في زمن الضعف والتراجع الاقتصادي يعني بيعها «بتراب المصاري»، ويعني تجريد الدولة السورية من أي أداة سيادية تمكنها من التحكم في الاقتصاد مستقبلاً، مما يحول البلاد إلى «شركة مساهمة» يتقاسمها أمراء الحرب السابقين والحاليين.
كيف تدمر الخصخصة الاقتصاد الكلي؟
للغوص في عمق الكارثة التي تمثلها الخصخصة، يجب تفكيك الخرافات الاقتصادية التي تحيط بها، وفهم الآليات الحقيقية التي تؤدي من خلالها إلى تفتيت الاقتصاد الكلي، خاصة في سياق دولة كسورية. الحجة الأساسية للمدافعين عن الخصخصة هي أن القطاع العام خاسر، وأن بيعه سيوفر إيرادات للدولة ويوقف النزيف. وهذه ما هي إلا «نصف حقيقة» يراد بها باطل كامل.
أولاً: يجب أن ندرك أن القطاع العام، في مفهومه الاستراتيجي، لم يوجد أساساً لتحقيق «الربح المالي» المباشر كما تفعل الدكاكين والمتاجر. القطاع العام وجد لتحقيق «الربح الاجتماعي» والاستقرار الاقتصادي. عندما تدعم الدولة الكهرباء أو الخبز أو النقل، هي لا تخسر، بل تستثمر في استقرار المجتمع، وفي صحة الناس، وفي خفض تكاليف الإنتاج على الصناعيين والمزارعين، ما يعني زيادة في الإنتاج ووفرة لاحقة. خصخصة هذه القطاعات تعني تحويلها فوراً إلى سلع تخضع للعرض والطلب والربح الجشع. وهذا يعني مثلاً أن الكهرباء لن تكون حقاً، بل سلعة لمن يدفع، مما سيؤدي إلى خروج العديد من الورش والمصانع الصغيرة من السوق لأنها لن تستطيع تحمل التكاليف الحقيقية للطاقة، وهذا بدوره يضرب الإنتاج الوطني في مقتل، ويزيد من البطالة، ويدخلنا في حلقة مفرغة من الركود.
ثانياً، الخصخصة تؤدي حتماً إلى نشوء الاحتكارات الخاصة. فبدلاً من احتكار الدولة التي يمكن محاسبتها سياسياً أو توجيهها لخدمة المصلحة العامة، ننتقل إلى احتكار خاص لا يرحم. في الحالة السورية، سنجد أن قطاعاً حيوياً مثل الكهرباء أو الاتصالات أو الطيران أو إدارة الموانئ سيذهب لشركة واحدة أو اثنتين مملوكتين لأشخاص نافذين. وسيتحكم هؤلاء في الأسعار دون رقيب، وسيفرضون إتاوات غير مباشرة على الاقتصاد السوري ككل. من هنا، فإن الاحتكار الخاص أخطر بألف مرة من الاحتكار العام، لأنه يمتص الثروة من جيوب المواطنين ويحولها إما إلى ملاذات ضريبية في الخارج أو إلى استهلاك ترفي لا يخدم الدورة الاقتصادية المحلية.
ثالثاً، تتسبب الخصخصة في تآكل القاعدة الإيرادية للدولة على المدى الطويل. قد تحصل الحكومة على مبلغ كبير «مرة واحدة» عند بيع مصنع أو تأجير مطار، وتسد به عجز الموازنة لعام واحد. لكن، ماذا عن الأعوام القادمة؟ لقد فقدت الدولة مصدر دخل مستمر كان يمكن تطويره. وتصبح الدولة بعدها متسولة، تعتمد فقط على الضرائب التي تفرضها على المواطنين المنهكين أصلاً، أو تضطر للاستدانة من النخب ذاتها التي باعت لها الأصول، مما يغرق البلاد في ديون داخلية وخارجية تكبل القرار السياسي.
أخيراً، تضرب الخصخصة مفهوم «السيادة الاقتصادية»، فالدولة التي لا تملك مفاتيح بنيتها التحتية (كهرباء، وماء، واتصالات، وموانئ) هي دولة منزوعة السلاح اقتصادياً. في سورية، التي واجهت ما واجهته خلال العقد الماضي، كان القطاع العام - على جميع علاته ومشاكله - هو خط الدفاع الأخير الذي منع الانهيار الشامل. لو كانت الكهرباء أو المطاحن بيد شركات خاصة أجنبية أو محلية تبحث عن الربح فقط، لكانت المجاعة والظلام قد عما البلاد منذ سنوات. تفكيك هذا القطاع الآن يعني تجريد سورية من أحد عوامل استقرارها، وجعل قرارها الاقتصادي (وبالتالي السياسي) رهينة بيد احتكارات قد تكون واجهة لأجندات خارجية أو لمصالح ضيقة.

تمزيق النسيج الاجتماعي: من «مواطنين» إلى «عبيد»
إذا كان الأثر الاقتصادي للخصخصة كارثياً، فإن أثرها الاجتماعي والإنساني هو تفتيت كامل للمجتمع السوري وتمزيق لما تبقى من روابط تجمع أبناءه. الدولة في المخيال الجمعي تلعب دور «الأب الراعي»، فالتعليم المجاني، والطبابة المجانية، والدعم الحكومي للسلع الأساسية، ليست مجرد خدمات، بل هي «لاصق» يحفظ تماسك المجتمع ويمنع انفجاره. وأعجبنا ذلك أم لا، فهي الوسيلة الأساسية ليستطيع ابن الفلاح الفقير أن يصبح طبيباً أو مهندساً بفضل الجامعة الحكومية.
الخصخصة، بما تعنيه من انسحاب الدولة من دورها الاجتماعي لصالح القطاع الخاص، تعني تحطيم هذا الدور الاجتماعي بشكل نهائي. فعندما ينظر إلى الصحة والتعليم كسلع استثمارية، تتحول المدارس والمستشفيات إلى مشاريع ربحية. والنتيجة المباشرة في سورية ستكون خلق نظام فصل طبقي غير معلن. سيكون هناك تعليم بجودة عالية للأغنياء (المدارس والجامعات الخاصة التي تفرخ كالفطر)، وتعليم بائس، مهمل، ومتهالك لعموم الشعب في المدارس الحكومية التي ستفرغ من كوادرها ومواردها تمهيداً لخصخصتها أو تهميشها. وهذا سينتج جيلاً من السوريين يفتقر للمهارات، محكوم عليه بالفقر والجهل، بينما تسيطر قلة متعلمة (أبناء النخبة الفاسدة) على مفاصل الدولة والاقتصاد.
على صعيد الصحة، الخصخصة تعني الموت الصامت للفقراء. في سورية، حيث ترتفع أسعار خدمات المشافي الخاصة بشكل جنوني، كانت المشافي الحكومية (على علاتها مجدداً) هي الملاذ الأخير للأغلبية الساحقة من المواطنين. وخصخصة القطاع الصحي، أو تحويل المشافي العامة إلى هيئات مستقلة تعمل بتمويل ذاتي (وهو الوجه المقنع للخصخصة الذي يحاول البعض الترويج له)، يعني أن المواطن السوري سيقف أمام خيارين: بيع ممتلكاته (إن وجدت) ليعالج نفسه، أو الموت ببطء. وبالتالي، فإن تحول الصحة إلى سلعة يضرب المبادئ الإنسانية في الصميم، ويخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي الذي لا يمكن ضبطه أمنياً.
فوق ذلك، فإن خصخصة المؤسسات تعني بالضرورة «إعادة هيكلة»، وهو الاسم الحركي للتسريح الجماعي وتقليص الرواتب وإلغاء ضمانات العمل. وسيتحول هؤلاء الموظفون من فئة تملك حداً أدنى من الأمان الوظيفي، إلى عمالة هشة في قطاع خاص لا يرحم، بلا عقود دائمة، وبلا تأمينات حقيقية، وتحت رحمة مشغلين يبحثون عن تعظيم الربح عبر قضم حقوق العمال.
هذا التفتيت الاجتماعي يضرب الهوية الوطنية في الصميم. فعندما تتخلى الدولة عنك، ولا تعلمك، ولا تطببك، ولا تحميك من جشع التجار، يضعف ولاؤك لها. سينظر المواطن السوري إلى خيرات بلاده وهي تستثمر من الشركات الخاصة (المحلية أو الأجنبية) بينما هو لا يجد ما يسد احتياجاته الضرورية. وهذا الشعور بالقهر يولد بيئة خصبة للتطرف، وللجريمة المنظمة، وللتفسخ الأخلاقي. وتترسخ الهجرة بوصفها الحلم الوحيد للشباب، ليس فقط بحثاً عن المال، بل بحثاً أيضاً عن كرامة مفقودة في وطن باعته السلطات بالمزاد العلني. لهذا كله، ليس من المبالغة القول إن الخصخصة في سورية هي الطريق الأقصر لتهجير ما تبقى من الكفاءات، وإفراغ البلد من طاقته البشرية، ليتبقى فقط «السادة» وبعض «الخدم».
تفكيك القطاع العام: تفكيك للدولة ذاتها
في الحالة السورية حالياً، تأخذ الخصخصة شكلاً أكثر خبثاً ومكراً، وهو ما يعرف بـ«التشاركية» وغيرها من التشريعات التي صدرت في سنوات الحرب. ولأن بيع القطاع العام بشكل مباشر قد يثير غضباً شعبياً واسعاً، لجأت نخب الفساد الكبير إلى هذا الأسلوب الملتوي.
تسمح هذه القوانين للقطاع الخاص (الذي يمثله هنا بشكلٍ أساسي تجار الحرب والأثرياء الجدد) بالاستحواذ على إدارة واستثمار أملاك الدولة الاستراتيجية دون أن يتحملوا أعباء الملكية أو الديون القديمة. حيث يأتي المستثمر ليأخذ «الكريمة» من قطاع رابح أو محتكر، يديره ويرفع الأسعار ويجني الأرباح بالعملة الصعبة، بينما تظل الدولة مسؤولة عن البنية التحتية الأساسية وعن الديون. الخطورة هنا تكمن أيضاً في هوية هؤلاء «المستثمرين». في سورية، نحن لا نتحدث عن شركات عالمية ذات خبرة (التي لن تأتي أصلاً بسبب العقوبات وعدم الاستقرار)، بل نتحدث عن شبكات مصالح محلية، وعن واجهات لغسيل الأموال، وعن أمراء حرب استبدل الكثيرون منهم البزة العسكرية ببدلة رجال الأعمال.
وهذا التحول خطير للغاية لأنه يشرعن اقتصاد الظل ويدمجه في جسم الدولة. وعندما يسيطر هؤلاء على قطاعات الطاقة والاتصالات والنقل، يصبحون هم «الدولة العميقة» الحقيقية، بينما تظل الحكومة مجرد سكرتاريا تنفذ مصالحهم. وهؤلاء لا تهمهم مصلحة الشعب، ولا يعنيهم انخفاض التضخم أو تحسن الليرة، بل على العكس، قد تكون الفوضى الاقتصادية وتذبذب سعر الصرف بيئة مثالية لزيادة ثرواتهم عبر المضاربة واحتكار السلع. وخصخصة القطاع العام في سورية هي تمكين لهؤلاء من رقاب السوريين لعقود قادمة.
وفي ظل الوضع شديد الهشاشة في سورية، تفتح الخصخصة الباب مشرعاً أمام نفوذ خارجي مباشر يمس السيادة الوطنية. فالعقود طويلة الأمد (التي تصل لـ49 عاماً) لادارة الموانئ أو استخراج الثروات الباطنية مع شركات أجنبية تعني رهن مستقبل الأجيال السورية القادمة. فعندما تبيع أو تؤجر القطاع العام الاستراتيجي لدول وشركات أخرى، لن تستطيع الدولة السورية مستقبلاً اتخاذ أي قرار اقتصادي يتعارض مع مصالح هذه الشركات التي باتت تملك «مفاتيح» البيت السوري.
لهذا كله، فإن الحديث عن إعادة الإعمار بوجود هذه العقلية هو وهم كبير وقبض للريح. القطاع الخاص النفعي لن يبني مدارس في الأرياف ولن يمد شبكات صرف صحي في العشوائيات لأنها «غير مربحة». بل سيتركز الاستثمار في العقارات الفاخرة، والمولات، والمنتجعات السياحية، والمناطق التي تخدم النخبة. بينما ستبقى المدن المدمرة ركاماً. هذا يعني أن الخصخصة ستقود إلى «إعادة إعمار انتقائية» تخلق جزراً من الثراء الفاحش وسط محيطات من البؤس المتراكم.
إن تفكيك القطاع العام في سورية هو الخطوة الأخيرة في تفكيك الدولة نفسها. وهو إعلان استسلام أمام قوى الفساد الداخلي والهيمنة الخارجية. أما الحل فإنه لا يكمن في بيع الدولة نفسها، بل في استعادتها. استعادة القطاع العام من الفساد والترهل، وإدارته بعقلية وطنية إنتاجية، ومحاربة الهدر، وفرض ضرائب تصاعدية حقيقية، هو الطريق الوحيد للنجاة. أما الخصخصة، وفي هذا التوقيت بالذات، فهي ليست سوى عملية نهب منظم.

معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254