ما بعد زلزال 6 شباط.. أية دولة يريدها السوريون؟

ما بعد زلزال 6 شباط.. أية دولة يريدها السوريون؟

خلّف زلزال 6 شباط الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سورية خسائر بشرية ومادية كبيرة ستؤثر على حياة البلاد واقتصادها لسنواتٍ قابلة. وكما هي العادة، تشرّع الكوارث الباب على أسئلة كثيرة كان يجرى تجاهلها في «الأوقات العادية». ربما يكون واحد من أهم هذه الأسئلة التي يجري طرحها اليوم هو ذلك المتعلق بالطريقة التي تتحرك وفقها أجهزة الدولة حول العالم في مرحلة ما بعد الكوارث.

من تابع التغطية الإعلامية السورية وتحليلات البعض عبرها خلال الأسبوع الماضي، لا بد أنه لاحظ المحاولات المحمومة لحصر الحديث عن الكارثة بوصفها فاجعة طبيعية لا يمكن للإنسان أن يفعل شيئاً حيالها، في إغفالٍ متعمد لحالة ترهل مؤسسات الدولة التي انكشفت في أكثر أشكالها وضوحاً خلال أيام الكارثة، وتجاهل دور الفساد في تضخيم الآثار المباشرة وغير المباشرة للزلزال. هذا كله سيئ، لكن ربما يكون الأكثر سوءاً هو أن هذا السلوك بدأ يتفاقم خلال الأيام الماضية، ليصل إلى حدود التلميح بأن الدول «عموماً» تقف عاجزة أمام الكوارث المستجدة. فهل هذا صحيح؟ وهل تسمح استجابات العديد من الدول للكوارث الطبيعة بالخروج بمثل هذا الاستنتاج؟


1110a


النموذج التركي:
الأقربون أولى بالدراسة!

قبل الذهاب لدراسة حالات سابقة من تعاطي أجهزة الدولة في العالم مع حالات الكوارث، من المناسب الوقوف عند التجربة التركية الحالية، حيث كان مركز الزلزال الذي ضرب بلادنا:
خلال الأيام الأولى للزلزال، انكبّ جهاز الدولة التركي بجميع أركانه على متابعة تفاصيل الزلزال وآثاره، مصدراً إحصاءات يومية حول أعداد الوفيات والإصابات والخسائر المادية بدقة. وبمجرد انقضاء الأيام الأولى، كشف الرئيس التركي الحصيلة: عدا الخسائر البشرية، تعامل جهاز الدولة مع 15,000 مبنى مدمّر من أصل 19,000 في مناطق الزلزال، وفي العموم تم تصنيف 47 ألف بناء يضم 211 ألف وحدة سكنية كـ«أبنية منهارة» أو «سيتم هدمها فوراً» أو «أبنية تعرضت لأضرار بليغة».
وكاستجابة فورية، كشف الرئيس التركي عن جوانب من خطة عمل الحكومة: خصصت الدولة التركية مبلغ 100 ألف ليرة (حوالي 5,000 دولار) لأقرباء المتوفين بالزلزال من أجل تلبية احتياجاتهم العاجلة مبدئياً. وستبدأ الحكومة اعتباراً من مطلع شهر آذار المقبل ببناء 30 ألف وحدة سكنية للمتضررين. أما الهدف الرئيسي، فهو تشييد أبنية جديدة وآمنة بدل كل مبنى تهدم في الزلزال خلال عام واحد فقط، على أن يكون البناء الجديد بعيداً عن خطوط الصدع. وكشف الرئيس التركي بنفسه عن إطلاق حملة إعلامية موحدة لجمع التبرعات على مستوى البلاد كلها (بالإضافة لقنوات إعلامية في أذربيجان وشمال قبرص) تحت عنوان «تركيا قلب واحد» بحيث يكون مقدار التبرعات التي تم جمعها على مستوى البلاد واضحاً (تم جمع أكثر من 6.1 مليار دولار خلال 7 ساعات من البث).
هذا كله جرى، بينما كان المجتمع السوري يتحرك بمبادرات فردية لتجاوز حالة العجز التي اتسم بها أداء جهاز الدولة، حيث اضطر الناس في كثير من المناطق للبحث والانتشال بأيديهم في ظل قلة عدد المعدات والتركسات فضلاً عن الوقود اللازم لتشغليها. هذا إن لم نتحدث عن الأداء السياسي والإعلامي الذي دفع لزيادة الشرخ في البلاد، وعن غياب أي برنامج عمل حكومي معلن لتعويض الضحايا والمتضررين (ذلك بينما تعلن بعض البنوك التي راكمت أرباحاً خلال السنوات السابقة عن قروض جديدة يمكن منحها للمتضررين لترميم منازلهم من جيوبهم!).


p1110-2


عشق أباد.. تركمانستان الاشتراكية السوفييتية

وقع زلزال قوته 7.3 على مقياس ريختر فجر يوم 6 تشرين الأول عام 1948 في جمهورية تركمانستان الاشتراكية السوفييتية. كان مركز الزلزال يقع تحت مدينة عشق أباد مباشرة، لذا كانت العواقب مدمّرة، حيث لم تستطع حوالي 80% من المنازل المقاومة، وتوفي حوالي 10% من سكان تركمانستان عموماً، وهم ثلث سكان مدينة عشق أباد تقريباً.
استجابت الحكومة - التي نفضت لتوها غبار الحرب العالمية الثانية - بسرعة للكارثة. فرغم الدمار الكامل الذي لحق بالمطار وتعطل جميع وسائل الاتصال، بعد أربع ساعات من وقوع الزلزال، تم إرسال الطائرات التي تحمل الضحايا إلى مدينتي طشقند وباكو القريبتين. في اليوم التالي، انتهى إصلاح السكك الحديدية، وفضلاً عن الأطباء وعمال الدفاع المدني المشاركين في الإنقاذ، أحضر على الفور أكثر من ألف طبيب وعامل إنقاذ إلى المدينة لأن الحكومة توقعت وباءً محتملاً بسبب الحرارة، حيث تحللت جثث الموتى بسرعة، ما دفع الجيش لتعقيم المنطقة والمعدات المستخدمة بانتظام. وفي غضون ستة أيام، تم تسليم المنازل الجاهزة المؤقتة للناس وإيصال المواد اللازمة لتشييد المباني المقاومة للزلازل إلى المدينة والشروع بالبناء فوراً.
أخذت المباني التي استكملت الدولة بناءها في عشق أباد - في غضون عام واحد تقريباً- شكلاً أسطوانياً محققاً لشروط مقاومة الهزات الأرضية. وواحدة من الأفكار التي تم اعتمادها في حينه هي التقسيم الداخلي للمنازل إلى عدد من الغرف الداخلية صغيرة الحجم، بحيث يساعد تقسيم المنزل بهذه الطريقة في امتصاص طاقة الهزات الناتجة عن الزلازل بعض الشيء وزيادة مقاومة البناء إجمالاً.
عموماً، أطلق الخبراء تسمية «استجابة عشق أباد» على العمليات التي قامت في المدينة، بوصفها نموذجاً فريداً للاستجابة من حيث كفاءتها وتنظيمها، استند إلى أن العديد من الصناعات التي كانت قائمة في الاتحاد السوفييتي في فترة الحرب العالمية الثانية ظلت مستمرة، ولم يكن هنالك نظير فعلي لها في الاستجابات العالمية لاحقاً.


1110c


نموذج من دول محاصرة..
نظرة على كوبا

واحدة من الحجج التي يسوقها الإعلام اليوم أن العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على سورية هي السبب في ضعف استجابة البلاد للكوارث، ورغم أن العقوبات تتحمل بالفعل جزءاً أساسياً من المسؤولية عن الوضع الحالي، إلا أن تحميل العقوبات وحدها المسؤولية عن ذلك أمر يجافي الحقيقة بشكل مطلق.
تعرضت كوبا منذ النصف الثاني من القرن الماضي إلى أشرس المحاولات الأمريكية الرامية إلى تضييق الخناق عليها وكبح تطورها. رغم ذلك، شكّلت البلاد نموذجاً استثنائياً وفريداً من التعامل مع الكوارث، إلى حدّ لا تستطيع معه منظمات الأمم المتحدة والصليب الأحمر وغيرها سوى الإشادة به.
ونظراً لموقعها الجغرافي، تعدُّ منطقة أمريكا الجنوبية والبحر الكاريبي واحدة من أكثر المناطق تضرراً من العواصف والأعاصير القوية، والتي تؤدي إلى زيادة في هطول الأمطار واشتداد العواصف. وفي هذا الصدد، تشير تقارير الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إلى أن هذه المنطقة من القارة الأمريكية هي ثاني أكثر المناطق عرضة لتسجيل الكوارث الطبيعية في جميع أنحاء العالم. فما الذي تستطيع كوبا أن تفعله في موقعٍ جغرافي حرج طبيعياً (حيث احتمالات الكوارث عالية) وسياسياً (حيث الولايات المتحدة تتربص بالقرب من الحدود)؟
طورت الحكومة الكوبية منذ ستينيات القرن الماضي خططاً تفصيلية ودقيقة للتصدي للكوارث. تقوم هذه الخطط على عاملين مهمين: الأول، إشراك المواطنين - الكبار والصغار المدربين جيداً- في عمليات الاستجابة الأولية بكثافة، والثاني، رفع قدرة الدولة على التنبؤ بالكوارث وإيجاد برنامج تعويضات مباشر يقلل من الزمن التعافي من الكوارث.
لضمان العامل الأول، أنفقت الدولة الكوبية بشكل كبير على تعليم المواطنين وتدريبهم للتعامل مع الكوارث. الأمر الذي بدا ترفاً و«بيروقراطية» في نظر بعض وسائل الإعلام اللاتينية الممولة غربياً سرعان ما اتضحت إيجابياته في عام 2001، حين ضرب إعصار مايكل الجزيرة الكوبية: في غضون ساعات قليلة فقط، انخرط 70 ألف مواطن كوبي متطوع في عمليات الاستجابة، واستخدموا 5000 مركبة استطاعت إجلاء 750 ألف مواطن، ونقل 52 ألف طالب من مدارسهم الحكومية إلى منازلهم، ثم نجحوا في نقل أكثر من 741 ألف رأس من الماشية إلى مناطق مرتفعة بعيدة عن أماكن الخطر. الأمر الذي ترك منسق الإغاثة في حالات الطوارئ في الأمم المتحدة، يان إيغلاند، في حالة ذهول ليصرح في الإعلام: «إن كوبا هي واحدة من أفضل الدول استعداداً للكوارث، إن لم تكن الأفضل على الإطلاق، إن الإعصار ذاته الذي سيفتك بحياة الناس جماعياً في هاييتي، لن يودي بحياة أي شخص في كوبا». وتكرر الأمر مرة أخرى في عام 2004، عندما ضرب إعصار جين كوبا بقوة أكبر من القوى التي ضرب فيها هاييتي، فقتل في الأخيرة أكثر من 3000 إنسان، بينما لم يقتل أي مواطن كوبي. وفي آخر إحصائية له، أكد مركز السياسة الدولية أن احتمالات موت إنسان في الأعاصير داخل الولايات المتحدة يزيد بمقدار 15 ضعفاً عن احتمال أن يحدث ذلك في كوبا.
فيما يخص قابلية المباني لمقاومة الكوارث الطبيعية، فإن هذه المسألة محلولة في كوبا على نحو شديد البساطة، حيث يقوم «المعهد الوطني للإسكان» - الجهة الوحيدة المخولة ببناء المساكن- بتقييمٍ دوري للمباني التي يجب إصلاحها أو إعادة بنائها، قبل وقوع الكارثة وبعدها.
وعليه، يتضح من النموذج الكوبي أن الدول التي تتعرض للحصار والعقوبات لا يمكنها أن تقاوم الكوارث فحسب، بل يمكنها - في حال وجود الإرادة السياسية الفعلية لذلك - أن تتصدر دول العالم في سرعة الاستجابة الإنسانية ومقدار كفاءتها.


1110b


كوارث الطبيعة
وكوراث الفساد السياسي

منذ سبعينيات القرن الماضي، طرح الكثير من علماء البيئة والجغرافية والاقتصاد السياسي فكرة مفادها أنه يجب التوقف عن تسمية «الكوارث الطبيعية» التي نعرفها حتى الآن بهذا الاسم لأنها ليست «طبيعية» فقط، ففي ظل التطور الذي وصلت إليه العلوم بات بالإمكان تقليص حجم الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن ظواهر الطبيعة (التي من الطبيعي أن تحدث!) إلى حدود تكاد تصل إلى الصفر. لكن آلاف القتلى والإصابات والخسائر المادية الكبرى التي تتكبدها الدول تعود في غالبيتها الساحقة إلى كوارث يصح أن يطلق عليها «الكوارث السياسية» أو «كوارث عدم قدرة دول اليوم على الاستجابة للظواهر الطبيعية» أو كوارث تغليب الربح أولاً بدلاً من الإنفاق على البحث العلمي الضروري لرفع قدرة الإنسان على التعامل مع ظواهر الطبيعة. فرغم أن التجارب التي استعرضناها في هذا المقال تبدو وكأنها آتية من عالم آخر بالمقارنة مع الوضع في سورية، إلا أن الواقع هو أن ما تستطيع الدول أن تفعله اليوم موضوعياً يتجاوز بكثير التجارب التي أشرنا إليها والتي غدت تجارب قاصرة بالمقارنة مع ما يمكن فعله اليوم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1110
آخر تعديل على الإثنين, 20 شباط/فبراير 2023 09:38