الخطة الخمسية الصينية الـ 14 تحديات الديون والإنتاجية

الخطة الخمسية الصينية الـ 14 تحديات الديون والإنتاجية

خلال 40 عاماً أخرجت الصين أكثر من 850 مليون إنسان من الفقر... وخلال عشر سنوات انتقلت لتكون القوّة الاقتصادية الأولى عالمياً بمعايير القدرة الشرائية للناتج، وبمعيار مواجهة الأزمات الكبرى خرجت الصين بأسرع وتيرة من أزمة كوفيد، لتكون البلد الوحيد عالمياً الذي شهد نمواً اقتصادياً في أزمة 2020. الإنجازات الصينية كثيرة، ولكن كلما ارتفعت الصين ذات الـ 1,4 مليار نسمة... كلما أصبحت المهمات اللاحقة أصعب.

وضعت مسودة الخطة الخمسية الرابعة عشرة للاقتصاد الصيني خلال الفترة بين 2021-2025 وهذه المرة تشير التقارير إلى أن الخطة تشهد تغييرات في الآليات، فالصين لن تضع أرقاماً وأهدافاً تخطيطية محددة وملزمة كما في السابق، بل مؤشرات تسميها توقعات تقديرية. وهو ما يعكس الرؤية الصينية لضبابية المرحلة القادمة على صعيد الاقتصاد العالمي وصعوبة التنبؤ وارتفاع المخاطر.

نمو واستهلاك محلي وتكنولوجيا

الاتجاهات الصينية العامة واضحة، إذ لا يزال هدف النمو مركزياً، وقد أشار الرئيس الصيني إلى أنه في نهاية الخطة الـ 14 أي: بعد خمس سنوات، الصين يجب أن تنتقل من دولة متوسطة الدخل إلى دولة عالية الدخل، أي: وفق مقاييس البنك الدولي، فإن دخل الفرد الصيني يجب أن يرتفع ليصبح فوق 12.5 ألف دولار سنوياً. بينما هو اليوم قرابة 10 آلاف دولار سنوياً.

والإستراتيجية لا تزال في طور الانتقال نحو الاعتماد على الاستهلاك المحلي كرافعة أساسية نتيجة الاضطراب العالمي وتراجع التجارة العالمية، كما لا يزال هدف توسيع وتطوير الإنفاق الدفاعي ذا أولوية، مع كل ما يرتبط بهذا من تسريع وتوسيع الإنفاق على البحث العلمي، ورفع الاستقلالية التكنولوجية الصينية ضمن خطة صنع في الصين 2025... وفي جميع هذه الميادين حققت الصين إنجازات كبيرة، وتحديداً قياساً بحجم الاقتصاد الصيني وصعوبة التحكم باتجاهاته أو تكييفه.

التحفيز بالديون (أثر غربي)

إن هذه الصعوبات تظهر في بعض المجالات، منها مثلاً: الاندماج العالمي للصين واضطرارها إلى مواكبة وتيرة تدفق الأموال والاستثمار الغربي... فالصين كغيرها من الاقتصاديات العالمية اعتمدت في العقود الأخيرة على التحفيز القائم على الدَّين. وإن كانت للصين دائماً قواعدها الخاصة وضوابطها، فإن هذا لا يلغي أن الديون في الصين اليوم وصلت إلى نسبة 300% من الناتج، ورغم أن الجزء الأعظم من الديون الصينية هي ديون داخلية وبالعملة المحلية، أي: قابلة للإدارة... إلّا أن هذه النسبة تدل على حاجة الاقتصاد الصيني إلى التحفيز عبر التمويل، كما تشير إلى الوقوع في فخ التشوهات المالية، إذ إن 80% من الديون الصينية يتم إصدارها لسداد الدَّين وخدماته، و20% ترتبط تمويل التنمية والاستثمار... وهذا قريب من النسب العالمية في النموذج السائد للاقتصاد العالمي، حيث الدَّين يولد الدَّين.

الأهم، أن هذا يشير إلى أن تخفيف نسبة الدَّين إلى الناتج في الصين كما تضع الخطة الخمسية القادمة أحد أهدافها الهامة سيكون مرتبطاً بتغيرات كبيرة في حوافز النمو والإستراتيجيات.
في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن التقديرات تشير إلى أن الدَّين الصيني للناتج قد يكون أوسع من هذه النسبة بكثير، نظراً لاتساع ظاهرة بنوك الظل غير الشرعية في الصين المرتبطة بتقييد حركة الأموال، وهي واحدة من الظواهر التي تضع الصين مكافحتها كأولوية.

العامل الصيني: الإنتاجية والتعليم

النمو المعتمد على التحفيز الاستثماري والتمويلي لا يمكن استبداله بسهولة، لأنه عملياً تعويض عن مستوى إنتاجية العامل في الصين. فبالرغم من أن إنتاجية العامل الصيني ترتفع بشكل مستمر وتواكب النمو الإجمالي الصيني، إلّا أن رفعها يبقى تحدّياً أمام الصين.
أولاً وقبل كل شيء: لأن الصين بلد الـ 1.4 مليار نسمة تعاني من تراجع في عداد قواها العاملة، بمقدار يقدّر بأنه سيبلغ 7 ملايين سنوياً خلال الفترة بين 2021-2025 وفق التقديرات الحكومية. ولأن المرحلة الانتقالية التي تمر فيها وتحديداً الانتقال نحو مستوى تكنولوجي أعلى خلال فترة أقصر، تتطلب تغييرات هيكلية وإنفاقاً واسعاً على عمليات تأهيل القوى العاملة لتستطيع أن تحقق نقلة في الإنتاجية.

فمثلاً: تخطط الصين حتى عام 2025 لزيادة عدد سنوات الدراسة الوسطية إلى 11.3 سنة انطلاقاً من 10.8 سنة الآن. وهذه الزيادة التي قد تبدو قليلة ستعني خسارة كبيرة في أوقات العمل للقوى العاملة الشابة الجديدة الوافدة للسوق، ولكنها ضرورية بالمقابل لزيادة فعالية المجتمع الصيني العلمية. وتحديداً أنه رغم إنهاء الفقر في الريف الصيني، إلّا أن المهمة الأخرى تتمثل في رفع نسبة الالتحاق بالتعليم الثانوي، وتحديداً في الريف، وهي نسبة لا تتجاوز 50% مقابل نسبة 90% في المدن الكبرى... حيث لا يزال الفارق التعليمي كبيراً بين الريف والمدن، وبالعموم يقدّر البعض أن 30% فقط من القوى العاملة الصينية حالياً أتموا الدراسة الثانوية.

كما أنه دون رفع المستوى التعليمي والقدرات لشباب الريف الصيني الشاسع، لا يمكن تحقيق هدف زيادة قدرات الاستهلاك المحلي، وتحويل الإنفاق الداخلي إلى محرك أساسي وبديل للنمو الاقتصادي الصيني. فالمستوى التعليمي يحدد مستوى الدخول والقدرة على الإنفاق. يضاف إلى هذا أن الصين لا تزال تحتاج إلى هجرة مزيد من سكان ريفها إلى مدنها الكبرى، وتسعى الصين إلى رفع نسبة سكان المدن إلى 65% بينما النسبة لا تزال اليوم عند 60%، ولتحقيق هذا الهدف ينبغي أن ينتقل 10 ملايين سنوياً من الريف إلى المدن ويستقروا هناك.

نسبة 40% من العمال الصينيين في المدن الكبرى هم من المهاجرين من الريف، ولكنهم عملياً لا يستقرون جميعهم هناك. وتحديداً مع وجود بعض الأنظمة الصينية التي تنطلق من ضرورة التحكم بالتموضع السكاني، والتي تؤدي بالمقابل إلى عدم حصول المهاجر الصيني من الريف إلى المدن الكبرى على كل الخدمات الاجتماعية المتاحة لأبناء المدن... لأن الخدمات ترتبط بمكان الولادة وليس بمكان الإقامة. وفق ما يسمى نظام هيوكو الذي تدور حول استبداله نقاشات، فعملياً لا يستقر عمال الريف في المدن الصينية، ولا يحصلون على الخدمات الكاملة ويبقون مرتبطين بمناطقهم الأصلية، ولا يستطيعون الإنفاق بمستوى واسع.

في خمس سنوات الصين تفعل الكثير

قضت الصين على الفقر، وربطت أبعد أريافها بشبكة بنى تحتية واسعة وهامة، وأحدثت نقلة هائلة في رقم نمو الناتج الصيني، وفي المستوى التكنولوجي والإنتاج المعرفي... ولكن بلد الـ 1.4 مليار نسمة أمامه تحديات هائلة، لينقل كل فرد من أفراده إلى مقاييس الأفراد في الدول عالية الدخل، وهي ليست ضرورة تنموية فقط، بل ضرورة اقتصادية، حتى ترتفع إنتاجية كل عامل صيني، وتستطيع الصين أن تبني فعلاً نموذجاً بديلاً، وتنهي الاعتماد على التمويل والدَّين، لتتجاوز أهم آثار النموذج الغربي الاقتصادي. خلال خمس سنوات ماضية شملت الصين أكثر من 1.3 مليار مواطن بتأمين صحي أساسي، وفي خمس سنوات أحدثت نقلة تكنولوجية جعلتها تنافس على رقم واحد في مواضع التكنولوجيا العالية، وفي خمس سنوات أيضاً أسست للنقلة المرتقبة نحو العملة الإلكترونية المركزية. تستطيع الصين أن تنجز الكثير في خمس سنوات عبر التخطيط والتنظيم... وهو ما سنرقبه أيضاً في خمس سنوات قادمة قد تشهد تصاعد حدة الأزمات الاقتصادية، وكل ما يتبعها سياسياً واجتماعياً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1009
آخر تعديل على الإثنين, 15 آذار/مارس 2021 09:56

تابعونا على الشبكات التالية!

نظراً لتضييق فيسبوك انتشار صفحة قاسيون عقاباً لها على منشوراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ندعوكم لمتابعة قنواتنا وصفحاتنا الاخرى على تلغرام وتويتر وVK ويوتيوب وصفحتنا الاحتياطية على فيسبوك