التهرب الجمركي: إيرادات حكومية مهدورة على حساب المواطن ولمصلحة التاجر!!

التهرب الجمركي: إيرادات حكومية مهدورة على حساب المواطن ولمصلحة التاجر!!

تتذرع الحكومة عند كل عملية رفع للدعم عن حاجات الشرائح الفقيرة، بقلة الموراد ونقص الإيرادات، ولاشك أن الحكومة السورية تعاني من نقص حاد في الموارد ناشئ عن تراجع الإنتاج، ولكن تراجع إيرادات الحكومة لا يعود فقط لتراجع الإنتاج، فهناك أسباب أخرى لا يسلط عليها الضوء كونها مرتبطة بقوى الفساد والنهب. ويعد التهرب الضريبي والجمركي أهم هذه الموارد التي تستطيع الحكومة الاعتماد عليها بشكل أكبر لتقليص فجوة الموارد، لكن قوى الفساد التي أغتنت قبل الأزمة من التهرب الجمركي تحاول في ظل الأزمة زيادة ثرائها على حساب اقتصاد البلد ولقمة عيش المواطن الفقير.

سنحاول في هذه المقالة القيام بحسابات تقديرية للتهرب الجمركي، بناء على بعض البيانات المنشورة، فلا يوجد رقم رسمي حتى اللحظة لتقدير ما تخسره الدولة من التهرب الجمركي، ونلاحظ في هذا السياق أن الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات  تنقسم إلى 16 شريحة وفق القانون الحالي (درست الحكومة تعديله واختصاره إلى 5 شرائح فقط وقالت وسائل الإعلام أنها أقرته بتاريخ 24/6/2014) وتتدرج هذه الشرائح بمعدلات متصاعدة من (0-5%) لبعض المواد الأولية والتموينية وصولاً للشرائح الأعلى من (30-80%) للسلع الكمالية والرفاهية حسب درجة تصنيع كل مادة وحاجات الاقتصاد والمجتمع لهذه السلع.
الفجوة بين المستوردات وإيرادات الرسوم الجمركية؟!
نلاحظ من خلال الجدول المبين أدناه أن مستوردات الدولة السورية زادت من عام 2005 وحتى عام 2010 بمعدل 97% بينما كان معدل زيادة الرسوم الجمركية 92%، أي أن الفجوة تقدر بـ 5%. أي أن زيادة المستوردات لم تترافق مع زيادة الإيرادات الجمركية بنفس النسبة، قد يقول البعض أن الفجوة بين المستوردات وبين إيرادات الرسوم الجمركية ليس كبيرة وهذا صحيح، ولكن فيما لو دققنا بواردات الدولة السورية سنجد أن هذا التباين يجب أن يكون لمصلحة إيرادات الرسوم الجمركية، أي أن معدل زيادة إيرادات الرسوم ينبغي أن يكون أعلى من ذلك بكثير طالما أن مستوردات الدولة من السلع الكمالية والسلع المصنعة تصنيعاً كاملاً وهي ذات الرسوم الجمركية الأعلى (30-80%) كانت لها الحصة الأكبر في زيادة مستوردات الدولة!؟


التهرب الجمركي: من 3,5-5 مليار دولار في 5 سنوات!
تخلص العديد من الدراسات الاقتصادية إلى أن نسبة إيرادات الرسوم الجمريكة إلى الناتج المحلي الإجمالي في الدول التي تشبه الدولة السورية ينبغي أن تكون 5% (حسب دراسة لجمعية العلوم الاقتصادية في سورية عن الإصلاح الضريبي والجمركي عام 2001)، لكن بالنظر إلى هذه النسبة في سورية نجد أنها بلغت حوالي 2,5% في بداية عام 2000، ومن ثم تراجعت حتى بلغت  (1,4، 0,9،0,8،0,9،1،1)% للأعوام من 2005 إلى 2010 على الترتيب.
وبتطبيق هذا المعيار على الاقتصاد السوري سنجد أن نسب التهرب الجمركي تقدر وفق الجدول التالي:


أي أن التهرب الجمركي بلغ خلال خمسة أعوام فقط مبلغ (3,4) مليار دولار وفقاً لهذا المعيار التأشيري!!.
-ولغرض توضيح أكثر لمدى حجم التهرب الجمركي في سورية، سوف نقارن حجم الاستيراد مع إيرادات الرسوم الجمركية في لبنان مع العلم أن المعدل الأعلى للتعرفة الجمركية المفروض في لبنان هو 14%، بينما التعرفة الجمركية المطبقة في سوريا تزداد عن لبنان بأكثر من ثلاثة أضعاف حيث تبلغ نسبة الرسوم على الشرائح العليا 80% بينما في لبنان 14% فقط. ووفق الجدول التالي نجد:


في ظل الرسوم الجمركية  المرتفعة المفروضة في سورية والتي تصل على بعض المواد إلى 50-80% كانت الحصيلة الجمركية للفترة 2005-2011 حوالي (3,79) مليار دولار وتشكل نسبة (3,6%) من قيمة المستوردات البالغة (105,06) مليار دولار وهي نسبة متدنية جداً مما يدل على وجود عمليات تهرب جمركي كبيرة حيث أن الجزء الأكبر من المستوردات يدخل بدون سداد الرسوم المترتبة عليها.
كما أنه من الصادم وفق هذه البيانات أن حجم إيرادات الرسوم الجمركية في سورية أقل بـ 5 مليار دولار تقريباً من إيرادات جمارك لبنان على الرغم من أن حجم المستورادت في سورية أكبر ونسبة الرسوم الجمركية أعلى من لبنان بأكثر من ثلاث أضعاف، كما أننا لانستطيع أن ننفي عدم وجود تهرب الجمركي في لبنان مما يعني أن أرقام التهرب لدينا أعلى بكثير من ذلك.
إهدار لموراد حكومية رغم الأزمة يصب بمصلحة التجار؟!
انخفض حجم إيرادات الرسوم الجمركية في الأزمة بفعل إنخفاض حجم الاستيراد، ولكن نسبة الإيرادات الجمركية إلى حجم المستوردات انخفضت أكثر فبعد أن كانت 3,6% تقريباً خلال الأعوام الخمسة فقد بلغت 2,5% في عام 2013 مما يعني أن التهرب الجمركي قد زاد، ومع أن الحكومة التي تبحث «بسراج وفتيلة» عن موارد إضافية إلا أنها قررت التراخي أكثر في موضوع الرسوم الجمركية تحت حجة «ضرورة استمرار تدفق السلع» وتحقيق التنافسية!.  
حيث قامت الحكومة بإقرار تعديل قانون الرسوم الجمريكة واختصاره بـ 5 شرائح (1-3-5-15-50)% وهذا يعني تخفيض الرسوم على الشرائح الأعلى أي السلع المصنعة والكمالية والترفيهية أكثر من باقي السلع الأخرى!!.
بررت الحكومة هذا الإجراء بـ “أن الرسوم الجمركية المرتفعة تقود إلى التهرب وأن هناك تناسب عكسي بين ارتفاع الرسوم الجمركية وإيرادات الحكومة من الجمارك”. أي تريد الحكومة تخفيض نسبة الرسوم لتزداد إيرادات التحصيل (اللي بيعيش بيشوف)، ولكن التخفيض وفق قانون الحكومة طال الشرائح العليا (أكثر من 30%) أكثر مما طال الشرائح الدنيا.
تشير بيانات الحكومة خلال أعوام الأزمة إلى أن الإيرادات الجمركية تأتي معظمها من الشرائح الدنيا، وهو ما يعني أن إدعاء الحكومة بالتخفيض الذي جاء لصالح الشرائح العليا من المستورادت من السلع المصنعة والكمالية لن يؤثر جدياً رغم أن الشرائح الدنيا تساهم بشكل أكبر في إيرادات الجمارك الكلية، بينما طال التخفيض بشكل كبير الشرائح العليا التي تسهم بنسبة أقل في الإيرادات الجمركية الكلية والتي  لانعرف من هم بحاجتها في الوضع الحالي!   


كان بإمكان الحكومة تأمين تدفق السلع عبر الاستيراد بشكل مباشر دون الحاجة لتقديم تخفيضات جمركية للتجار تزيد من نسبة التهرب الجمركي، كما كان يمكنها أن تخرج بقانون يمنع التهرب الجمركي ويراعي احتياجات المواطن الفقير، كما كان بإمكانها البدء بمحاسبة المتهربين جمركياً لتأمين إيرادات هامة في هذه السنين العجاف، ولكن كما كل مرة تسلك الحكومة أقصر الطرق إلى جيوب الفقراء لتأخذ منهم وتعطيه لكبار التجار والناهبين والفاسدين.
وأخيراً يعتبر تخفيض الرسوم الجمركية واختصار الشرائح بحجة الاصلاح الضريبي؛ واستمرار استيراد السلع وخاصة الكمالية ليس حرماناً للدولة من موارد فقط وإنما ساهم في ضرب الإنتاج الوطني كصناعة الموبيليا والمفروشات وغيرها من الحرف، وكان ذلك أحد أسباب انفجار الأزمة في مناطق تصنيعها كـ (داريا وسقبا وغيرها..).. واستمرارية ذلك سيفاقم الأمور.

آخر تعديل على الأحد, 03 آب/أغسطس 2014 13:00