تكتلات داخل أوروبا... هل نمضي نحو صدام أوروبي-أوروبي؟

تكتلات داخل أوروبا... هل نمضي نحو صدام أوروبي-أوروبي؟

خلف الصورة المقدمة بالانسجام والوحدة، تسود حالة متزايدة من القلق وعدم اليقين داخل القارة الأوروبية ودول حلف الناتو حيال التطورات الدولية عموماً، وضمناً المتغيرات في السلوك الأمريكي بشكل خاص، وفي العلاقات والموازين بين الدول الأوروبية نفسها. فعلى الرغم من تأكيد البيان الختامي لقمة الناتو في أنقرة على «الالتزام الراسخ بالدفاع الجماعي» وجل ما يوحيه البيان من تماسك وتعاضد وطمأنة، إلا أنه وبعد 9 أيام فقط، أعلنت كل من فرنسا وألمانيا عن خطى جديدة في التعاون الدفاعي بينهما بشكل ثنائي خاص، وضمناً تعاون في الردع النووي.

عملياً، وخلف ذاك الإيحاء الإعلامي المصاغ بعناية، تعيش دول حلف الناتو حالة من القلق العميق، ولم يعد الأمر يقتصر على الخصوم الدوليين التقليديين كالصين وروسيا وإيران، وإنما باتت الشكوك وانخفاض الثقة تتسلل إلى ما بين هذه الدول نفسها. فمنذ زمن ليس بقصير، بات من الواضح أن كل منها تمضي بخط مختلف عن الأخرى انطلاقاً من مصالحها: تركيا، إسبانيا، هنغاريا، المملكة المتحدة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. وفي سياقات وعناوين مختلفة: خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، تهديد الولايات المتحدة بالانسحاب من حلف الناتو، رفض هنغاريا عبر حكومتها السابقة فرض عقوبات على روسيا، خلافات أمريكية أوروبية وأمريكية مع الناتو حيال غرينلاند وكندا وتمويل أوكرانيا، رفض إسبانيا رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5%، سوء العلاقات الإسبانية – الأمريكية، التناقض التركي-الأوروبي والتركي-الأمريكي حيال الموقف من روسيا، وغيرها الكثير.
وكان واضحاً منذ سنوات وجود ميل أوروبي نحو إنشاء تحالف دفاعي داخلي جديد ومستقل عن الولايات المتحدة وربما عن تركيا أيضاً، تارة كحلف جديد كلياً، وتارة كتقوية لهذا التحالف داخل حلف الناتو نفسه، إلا أنه لم تجر أية خطى عملية في هذا الأمر وذلك للأسباب سابقة الذكر من تناقضات أوروبية-أوروبية متزايدة.


تكتل عسكري فرنسي ألماني


وصولاً إلى الأسبوع الفائت، يمكن القول إن أولى الخطى بهذا الإطار جرت عملياً. ففي اجتماع مجلس الوزراء الفرنسي-الألماني الدوري الذي جرى يوم الجمعة 17 تموز 2026، تعهدت ألمانيا وفرنسا على لسان رئيسيهما فريدريك ميرز وإيمانويل ماكرون، بتعزيز تعاونهما الدفاعي، وضمناً العمل بشكل أوثق على تعزيز وتطوير أنظمة الدفاع الصاروخي، وتكنولوجيا الضربات بعيدة المدى.
إلا أن النقطة الأهم، والأكبر، كانت بالإعلان عن التعاون في مجال الردع النووي، ومشاركة ألمانيا في مناورات نووية فرنسية خلال وقت لاحق من العام الجاري، بما قد يعنيه، عملياً، تمهيداً لمنح ألمانيا مظلة نووية فرنسية.
وفي حين قال ميرز إن «التعاون مع الردع النووي الفرنسي سيكمل، ولن يحل محل، الترتيبات النووية الحالية لحلف الناتو»، إلا أنه عملياً يعني غير ذلك، ويعكس قلقاً وشكوكاً ألمانية من مستقبل المظلة النووية الحالية ضمن ترتيبات الحلف الحالية نفسه، خصوصاً مع التهديدات الأمريكية بالانسحاب والتناقضات المتزايدة معها باعتبارها المظلة النووية الأكبر لأوروبا.
وفي الوقت نفسه، بالمقابل، فإن هذا التعاون الثنائي بين فرنسا وألمانيا يشكل تكتلاً دفاعياً خاصاً بينهما في السياق الأوروبي العام، وقد يثير ريبة وحفيظة الدول الأوروبية الأخرى تجاهه، ويدفعها إما نحو المبادرة لتوسيعها والانضمام لها، أو القيام بما يشبهها بين دولتين أخريين أو أكثر.
ورغم أنه من المبكر جداً الحديث بهذا الشأن ووضع توقعات، إلا أن الأكثر ترجيحاً هو الخيار الثاني، فالعديد من الدول الأوروبية تحاول تحييد نفسها عن التصعيد العسكري تجاه روسيا لما فيه من تهديدات نووية جدية، ومن جهة أخرى لديها مواقف واستراتيجية مختلفة عما لدى جاراتها، فضلاً عن وجود خلافات اقتصادية وسياسية متزايدة.


ضغوط اقتصادية متزايدة، وتراجع في تمويل أوكرانيا


ولعل النقطة الأهم والأكثر ضغطاً في هذا السياق، هي رفع نسبة الإنفاق الدفاعي، والتمويل الأوروبي لأوكرانيا بعد تراجع التمويل والدعم الأمريكي لها، مما يزيد من حالة الاستياء عموماً من استمرار الحرب أساساً، وهو ما تعبر عنه بعض الدول الأوروبية صراحة، فكيف بتصعيدها أكثر مع ما تحمله من مخاطر أمنية، وبروز تكتلات دفاعية جديدة خاصة ترفع من حدة التوترات والتهديدات الأمنية على عموم القارة الأوروبية؟
من جهة أخرى، فإن الجبهة الأوكرانية نفسها، كاختبار عملي لهذه المواجهة والتهديدات، لم تفضِ حتى الآن إلا إلى هزائم متتالية وأزمات متصاعدة اقتصادياً وسياسياً داخل أوروبا، وذلك خلال أعوام من البذخ في التمويل والدعم العسكري والمالي لها، فكيف إذاً بعد تخفيض هذا الدعم عموماً، وتحميله إلى القوى الأوروبية وحدها؟
فخلال قمة الناتو 2024 في واشنطن، أكد البيان ضمن فقرة «التعهد بمساعدة أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا» المرفق به، أن «الحلفاء قدموا مساعدات عسكرية لأوكرانيا بلغت نحو 40 مليار يورو سنوياً» و«نعتزم تقديم تمويل أساسي لا يقل عن 40 مليار يورو خلال العام المقبل».

وذلك خلال فترة سنوات ثلاث قدمت خلالها الولايات المتحدة ما يقارب 195 مليار دولار كمساعدات مالية وعسكرية لأوكرانيا، أي في المتوسط نحو 65 ملياراً في العام الواحد من واشنطن وحدها. وفي المجموع مع مساعدات الناتو، ما يعني تقريباً 110 مليار دولار في العام الواحد ما بين 2022 وحتى 2024.
ومنذ أواخر 2024 وحتى الآن، لم تقدم الولايات المتحدة أية مساعدات مالية كبيرة تذكر لأوكرانيا، في حين أعلن الناتو عبر بيان قمته الختامي في أنقرة مؤخراً عن «تعهد الحلفاء بتقديم 70 مليار يورو لأوكرانيا [...] والحفاظ على مستويات مماثلة على الأقل في عام 2027» بالإضافة إلى إعلانهم عن «مشتريات جديدة بقيمة 50 مليار دولار» مرتبطة بتعزيز القدرة التصنيعية العسكرية الجماعية وتعزيز الابتكار، فضلاً عن استمرار العمل للوصول إلى الـ 5% للإنفاق الدفاعي.
وعملياً، يعني ذلك زيادة تمويل الناتو لأوكرانيا بـ 30 مليار يورو معظمها من رصيد الدول الأوروبية، مما يجعلها عبئاً مضاعفاً عما كان سابقاً. ورغم ذلك، بالمحصلة، انخفاض التمويل الذي تتلقاه أوكرانيا من 110 مليار دولار سنوياً إلى 70 مليار يورو. وهناك مصادر وقنوات تمويل أخرى بطبيعة الحال، منها رسمي ومنها لا، إلا أننا نستند هنا على الأرقام الرسمية المعلنة لكل من حلف الناتو وواشنطن.


أوروبا غير قادرة على تحمل هذه الأعباء ومخاطرها


إذا ما كانت ألمانيا وفرنسا قادرتين على تحمل هذا الإنفاق وهذه الأعباء المالية لفترة مؤقتة قبل بدء حصاد تداعياتها اجتماعياً وسياسياً داخل كل منهما، فإن بقية الدول الأوروبية على العكس من ذلك، بما فيها المملكة المتحدة التي تتزايد التوترات الاجتماعية والسياسية داخلها بالفعل على إثر أزمتها الاقتصادية. وهذا ما يفسر جزئياً بأن ألمانيا وفرنسا قد تعززان وتعمقان تعاونهما عسكرياً وأمنياً أكثر بالفعل خلال الفترة المقبلة، وتستمران بدعم أوكرانيا بالحد الأقصى الممكن وإن كان على حساب رفع التهديد والمخاطر الأمنية على عموم القارة العجوز، إلا أن ذلك لن يستمر دون تصاعد بردود الأفعال من بقية دول أوروبا والخلافات معها للأسباب نفسها، بالتوازي مع الانعكاسات الداخلية في كل منهما، مما قد يدفع إلى توترات اجتماعية وسياسية بهما أيضاً، تؤدي إلى شل هذا المسار برمته.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1287