توقيع ترامب على مذكرة التفاهم مع إيران… لحظة فارقة في التاريخ!

توقيع ترامب على مذكرة التفاهم مع إيران… لحظة فارقة في التاريخ!

أمضت الولايات المتحدة و«إسرائيل» حوالي 114يوماً منذ أطلقا حرباً ضد إيران، ورغم الأهداف «الطموحة» وكل «الانتصارات» التي تحدثوا عنها، كان الرئيس الأمريكي مضطراً في نهاية المطاف للإقرار بالهزيمة؛ فمذكرة التفاهم التي جرى الإعلان عنها، والتي يفترض أن تقود لاتفاقٍ نهائي، حتى إن انسحبت منها واشنطن، ستظل لحظة تاريخية فارقة، وما سيأتي بعدها لن يشبه أبداً ما كان قبلها!

إن تاريخ الولايات المتحدة و«إسرائيل» بنكث العهود معروف، وتحديداً مع إيران، وإن تثبيت هذه الفكرة بالتحديد من السطور الأولى مسألة ضرورية لجذب الأنظار إلى المسألة الأساسية التي تجري أمامنا، والابتعاد عن التكهنات حول فرص نجاح أو فشل الاتفاق، فالإقرار بأن هذه الوثيقة يمكن أن تنهار، أو تفشل المفاوضات التي بدأت صباح الأحد 21 حزيران الجاري، هي كلّها احتمالات واردة، لكن ظهور الرئيس الأمريكي على هامش قمّة مجموعة السبع، وهو يوقع أمام الصحافة على وثيقة مذّلة بالنسبة للولايات المتحدة، هو بحد ذاته ما ينبغي الوقوف عنده! ما الذي دفع الولايات المتحدة للقيام بهذا وأمام الجميع؟ والأهم، ما هي خيارات واشنطن حقاً؟


مذكّرة التفاهم وما جاء فيها


في 17 حزيران الجاري وقّع ترامب في قصر فيرساي على مذكرة التفاهم من 14 بنداً، حملت عنوان: «مذكّرة تفاهم في إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية» أقرّت واشنطن بموجبها بالغالبية العظمى من شروط إيران لإنهاء الحرب، ويُعد ما جاء فيها مكاسب استراتيجية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة لإيران، تجاوزت كل التوقعات، حيث حصلت على وقفٍ دائمٍ وفوري لإطلاق النار دون تنازلات عسكرية، وانتزعت اعترافاً أمريكياً بسيادتها ووحدة أراضيها، مع التزام أمريكي برفع الحصار البحري خلال 30 يوماً، وسحب جميع القوات الأمريكية من محيط إيران خلال 30 يوماً من الاتفاق النهائي، مما ينهي الوجود العسكري المباشر على حدودها. وفيما يخص مضيق هرمز، منحت المذكرة إيران دوراً محورياً غير مسبوق، حيث تتحمل هي مسؤولية ضمان المرور الآمن للسفن التجارية لمدة 60 يوماً، دون فرض أي رسوم، كما تمنحها الحق في إجراء حوار مع سلطنة عُمان «بالتشاور مع دول الخليج فقط» لتحديد آليات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في المضيق، مما يكرس عملياً نفوذها السيادي على هذا الممر الحيوي. بالإضافة إلى ذلك، حصلت إيران على التزام أمريكي بإنهاء جميع العقوبات الدولية والأمريكية الأحادية، والإفراج الفوري عن جميع أصولها المجمّدة وتحريرها بالكامل، والسماح بتصدير نفطها مع كامل الخدمات المصرفية والتأمينية، والأهم، خطة إعمار شاملة بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار بتسهيل أمريكي وبتمويل من شركائها الإقليميين، مع إبقاء برنامجها النووي في الوضع القائم، والاكتفاء بتعهد سياسي بعدم السعي للأسلحة النووية، وكل ذلك يُرفع إلى مجلس الأمن بقرار ملزم يُكرّس هذه المكاسب دولياً، مما يعني أن إيران خرجت من الحرب منتصرةً على جميع المستويات.


الدور «الإٍسرائيلي» التخريبي


كان الموقف «الإسرائيلي» واضحاً منذ البداية في رفض اتفاقٍ من هذا النمط، أو أي اتفاقٍ آخر! بل عملت تل أبيب طوال المدة الماضية على استمرار هذه الحرب، كونها واحدةً من أدواتها لتنفيذ مشروعها التدميري «إسرائيل العظمى»، إلا أن حسابات الولايات المتحدة والظروف القاسية التي نتجت عن الحرب، كانت تضع واشنطن أمام واحد من احتمالين: إما الخروج والقبول بالخسارة الحالية، أو الانتظار أكثر وتحمّل خسائر أضخم بكثير! أي إننا نراقب مشهداً جديداً من مشاهد التناقضات بين الولايات المتحدة و«إسرائيل». والخطير في المسألة، أن الحركة الصهيونية كانت دائماً تملك مفاصل مهمة من القرار الأمريكي، وهذا ما يؤدي إلى مستوى غير مسبوق من الصراع الداخلي، الصراع الذي يتمحور لا على الموقف من «إسرائيل» بل فعلياً على دور الولايات المتحدة على الساحة العالمية ومستقبلها.

المهاترات الحالية بين مسؤولين «إسرائيليين» وآخرين أمريكيين لن تتوقف قريباً وستتصاعد أكثر، ويمكن طبعاً أن تؤثر على سير الاتفاق والمفاوضات، وخصوصاً أن جيش الاحتلال لم يلتزم بالتهدئة في لبنان بشكلٍ كامل، ويحاول من خلال استفزازه أن يُقوّض الاتفاق. وهو ما دفع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس لتوجيه انتقادات وتحذيرات لتل أبيب بنبرة حادة غير معهودة في الخطاب الرسمي الأمريكي، إذا أشار فانس إلى أن الخيار العسكري لم يعد حلّاً مستداماً للتهديدات التي تواجهها «إسرائيل»، وذكّر حكومة نتنياهو أن ترامب هو «رئيس الدولة الوحيد في العالم المتعاطف مع [إسرائيل] في هذا الوقت» ولذلك يجب على تل أبيب من وجهة نظره أن تعيد حساباتها، وتحاول الحفاظ على آخر حليف لها! ولم يتردد فانس في التذكير، أن «ثُلثي الأسلحة الدفاعية التي حمت [إسرائيل] بُنيت بأيدٍ أمريكية، ودفع ثمنها دافعو الضرائب الأمريكيون».


ما الذي دفع واشنطن للتوقيع؟


إن الاحتمالات مفتوحة، لكن الولايات المتحدة مستمرة حتى اللحظة، إذ بدأ نائب الرئيس جولة المفاوضات المقررة في سويسرا مع الجانب الإيراني وبرعاية باكستانية، ورغم كل المخاطر الأمنية وتحديداً الأنباء التي تتحدث عن مخططات «إسرائيلية» لاغتيال الوفد الإيراني، إلا أن الجولة بدأت بالفعل، لكن وفي أثناء انتظار نتائجها يظل السؤال الذي يطرح نفسه فعلاً هو:
ما الذي دفع واشنطن وترامب تحديداً للتوقيع على مذكرة التفاهم هذه؟
وصف يانيس فاروفاكيس السياسي والوزير اليوناني السابق، ما جرى بين إيران والولايات المتحدة بأنّه «معاهدة فيرساي معكوسة» ففي نهاية الحرب العالمية الأولى أجبر المنتصرون ألمانيا المهزومة أن تدفع تعويضات مالية باهظة، وأجبروها على تحمل مسؤولية الحرب كاملةً، مما أدى إلى إذلالها وإضعافها اقتصادياً، ويرى فاروفاكيس: أن ما يجري الآن معاكس تماماً، إذ أُجبر من يدعي الانتصار «أي واشنطن» على فك تجميده لأموال إيران، وتعهد بتسهيل إعادة الإعمار! والمشكلة هي أن كل ذلك جرى علناً أمام الجميع، ولذلك لم يعد من الممكن تجنب نتائجه حتى لو انهار الاتفاق نفسه!
إن مشكلة واشنطن تكمن في أنّها لم تنجح في تحقيق أهدافها
عبر الحرب الخاطفة، وتلقت ضرباتٍ موجعة جداً، وخسائر فادحة تحديداً بالعتاد النوعي المنتشر في الخليج، من رادارات وأنظمة اتصالات وغيرها، ورغم كل الضغوط على إيران ظلّت الأخيرة قادرة على تنفيذ ضربات نوعية لقطاعات حيوية للولايات المتحدة، من الخليج إلى «إسرائيل»، والمشكلة الأكبر أن طهران استطاعت السيطرة التامة على مضيق هرمز، ما جعلها قادرة على التحكم بـ 20% من تجارة الطاقة عالمياً، فضلاً عن غيرها من السلع الأساسية، والأخطر من ذلك، أن استمرار الضربات على الخليج كان يعني فعلياً تعطيل حلقة البترو- دولار، أي وقف جزء كبير من الأموال التي يفترض أن تتدفق إلى الاقتصاد الأمريكي، والتي تهدد بشكلٍ أساسي قطاعات الذكاء الاصطناعي التي تحتاج إلى تمويل ضخم، كان يفترض أن يأتيَ بنسبة كبيرة من الخليج. هذا بالإضافة إلى أن تأثيرات الحرب على أسواق الطاقة كانت كبيرة جداً، ما دفع الولايات المتحدة لضخ كميات كبيرة من الاحتياطات النفطية، حتى وصلت إلى مستوى منخفض كثيراً بحوالي 350 مليون برميل، والتي تكفي الولايات المتحدة شهراً واحداً، وهو ما اعترف به ترامب علناً بوصفه أحد الأسباب التي دفعته للتوقيع! وهو ما يشير إلى حجم المأزق الذي اضطرت واشنطن لمواجهته.

من جهة أخرى، كان مستوى التخبط داخل دوائر صنع القرار غير مسبوق، وتحديداً داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، ويبدو أن الرئيس الأمريكي بات على يقين أن البنية القائمة لم تعد قادرة على الصمود أمام هذا المستوى غير المسبوق من الضغوط، وعلى هذا الأساس كان ينبغي وقف هذا التصدع، حتى وإن بشكلٍ مؤقت، فالإقالات التي جرت داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية كانت واسعة جداً، وإن تغيرات بهذا الحجم لا يمكن أن تمر دون ردود فعل، هذا فضلاً عن وجود تقارير تحدثت عن أن قادة في القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» كانوا يتصرفون أحياناً دون تفويض مباشر من الرئيس، مما جعل ترامب يشعر بضعف تأثيره على مجريات الحرب الميدانية.

إن عادت الحرب، أو توصل الجانبان بالفعل إلى اتفاق، ستكون إيران بذلك قد فرضت بغطاء روسي صيني واقعاً إقليمياً جديداً، واقعاً لم تعد فيه «إسرائيل» صاحبة السيادة، ولن يكون بالإمكان أن تعيد الولايات المتحدة ترميم ما جرى تهديمه، لا من العتاد والقواعد العسكرية فحسب، بل أيضاً من الثقة بقدراتها وهيمنتها التي تحطمت أمام الجميع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1283