خلف زوبعة الإعلام والتصريحات… مشهد إقليمي جديد تظهر ملامحه بوضوح
تزايد في الأيام القليلة الماضية الحديث عن إمكانية الوصول إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، لكن حتى مع كثافة هذه التقارير لم تغب التهديدات بتجدد الحرب دون وجود تصوّر واقعي لكيفية تحقيق الأهداف الأمريكية-«الإسرائيلية» التي أثبتت التجربة السابقة أنّها غير قابلة للتنفيذ عبر ضربات جوية، وضمن فوضى التقارير والتصريحات ومحاولات التضليل الجارية يظل الاتجاه الثابت الوحيد هو الهزات التي تتلقاها الهيمنة الأمريكية في العالم والمنطقة.
إن ما يجري تداوله حتى اللحظة عن الاتفاق لا يزال في إطار التسريبات والتصريحات الإعلامية، بل وفي الكثير من الأحيان يمكننا رصد عدد كبير من التناقضات في حديث المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين، فينما يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: إنّه جرى بالفعل «التفاوض على الجزء الأكبر من الاتفاق» وأن الإعلان عن اللمسات الأخيرة سيعلن قريباً.
تبدو الخارجية الإيرانية أكثر تحفظاً، إذ صرّح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الاتفاق «قريب جداً وبعيد جداً في آنٍ واحد» وهو ما يُرد إلى تجارب إيران السابقة مع الولايات المتحدة، التي أثبتت أنّها طرف غير موثوق، وتحديداً في المفاوضات، التي استخدمتها واشنطن في مرتين سابقتين بمثابة تغطية على عمل عسكري كبير، ورغم ذلك يبدو أن المفاوضات جارية بالفعل، ويمكن أن يكون الاتفاق ينصب حالياً على مذكرة تفاهم أولية قبل الدخول في التفاصيل النهائية للاتفاق.
ونشر موقع إكسيوس الأمريكي عدداً من التقارير حول الاتفاق المزعوم، وكان أكثر ما يثير الانتباه فيه، أن الولايات المتحدة وافقت على فصل المفاوضات حول الملف النووي الإيراني عن المفاوضات الهادفة إلى وقف الحرب بشكلٍ نهائي، مقابل تعهد شفهي من إيران بالدخول في مفاوضات مرتبطة بهذا الملف لاحقاً. وتشير هذه التقارير أيضاً إلى أن هناك بنداً يقضي بوقف الحرب على الجبهة اللبنانية أيضاً، بينما يظهر في تقارير إكسيوس إصرار أمريكي على فتح المضيق دون رسوم، مقابل السماح لإيران بتصدير نفطها إلى الخارج.
الأموال المجمدة ورسوم العبور في المضيق
من ضمن نقاط الخلاف الواضحة، تظهر مسألة الأموال المجمدة، فالجانب الإيراني يصر على أن الإفراج عن الأموال المجمدة والتي تصل إلى 25 مليار دولار، يجب أن يكون سابقاً لأي اتفاق، وأن يكون بمثابة بادرة حسن نية من الجانب الأمريكي، بينما تقول المصادر الأمريكية غير المؤكدة: إن ما يجري تداوله الآن ينحصر في الإفراج عن هذه الأموال دفعة واحدة بعد الاتفاق، أو عبر دفعات، وخلال فترة زمنية محددة، إلى جانب هذه المسألة هناك تضارب في مسألة رسوم العبور من المضيق، بل يبدو أن هناك حالة انفصال تامة بين طهران وواشنطن، فالأولى أنشأت ما بات يعرف باسم «سلطة مضيق الخليج الفارسي PGSA» والتي يفترض أن تكون الجهة المسؤولة عن تأمين المرور، وإصدار الموافقات، وتحصيل الرسوم، ولا يبدو أن الجانب الإيراني يتعامل مع هذه المسألة بوصفها أداة ضغط للتفاوض، بقدر ما هي هدف أساسي يسعى من خلاله لتثبيت واقع جديد، ينهي الهيمنة الأمريكية على هذا الممر الاستراتيجي، وبالحد الضروري من التنسيق مع دول المنطقة، وتحديداً سلطة عمان، التي يفترض أن تكون طرفاً حاضراً في «PGSA».
إن التجربة السابقة كفيلة بأن نتعامل بدرجة مرتفعة من الشك حول ما يجري تسريبه عن اتفاق مرتقب، فصحيح أن الولايات المتحدة لا تملك فعلياً خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ اليوم، وتتعرض لضغوط بسبب الميزانية الضخمة التي تطلبها الإدارة لهذه الحرب والتي بلغت 200 مليار دولار، لكن واشنطن ورغم الفرصة الضعيفة لتجدد القتال، ترى أيضاً أن قبولها لهذا الاتفاق أو أي اتفاقٍ يتناسب مع الخريطة الحالية للقوى في المنطقة، سيضر بشكلٍ كبير في صورتها ودورها لا في المنطقة فحسب، بل في العالم أيضاً، وهي لذلك تعمل على أن تطول هذه المفاوضات، وأن تحافظ ربما على حالة «الجمود» التي تحدث عنها الجانب الإيراني، لكن ذلك يطرح المسألة بشكلٍ مختلف!
التداعيات على واشنطن
إن كانت الولايات المتحدة غير قادرة ضمن المعطيات الحالية على استئناف الحرب، وإن كانت في الوقت نفسه غير قادرة على القبول باتفاق يناسب إيران، فماذا يمكن أن تفعل؟ الجواب البسيط يقودنا إلى أن كل يوم إضافي جديد يحمل تغييراً كبيراً في غير المصلحة الأمريكية، والحقيقة أن واشنطن قد أطلقت في حربها هذا تفاعلاً لا يمكن إيقافه، ونرى آثاره بشكلٍ واضحٍ كلّ يوم.
إن النظر إلى ما يجري والتفكير بما يمكن أن ينتج عنه، سيقودنا مباشرة إلى أن مستقبل بقاء القوات الأمريكية في منطقة الخليج وكامل غرب آسيا قد حسم، وسيدخل مرحلة التنفيذ. ومن جهة ثانية، يبدو أن البترودولار بوصفه آلية تقوم عليها تجارة النفط في الخليج والعالم تهتز بوضوح وسرعة، وتظهر دول المنطقة- التي كانت جزءاً سابقاً من هذا الاتفاق- ميلاً معلناً لاتجاهات أخرى، وإن كانت حصة الدولار في سوق الطاقة لا تزال كبيرة، يظل من المهم الانتباه إلى أن الأساس في البترودولار كان حصرية الدولار في هذا السوق الضخم، وبمجرد انتهاء هذه الحصرية، يعني ذلك أن حصة الدولار ستتقلص سريعاً، مع ما سينتج عنه من تداعيات على الاقتصاد الأمريكي، الذي يعتمد بشكلٍ كبير على ريع الدولار.
إن المشهد الإقليمي اليوم، يتكشف من خلف غبار الحرب، ويظهر ملامحاً جديدة تماماً، ويمكن من الآن أن نرى أركاناً واضحة، فمن جهة يظل الاتجاه التوافقي بين القوى الإقليمية الأساسية حاضراً، ويجري تمتينه، مع بروز لاعبين إقليميين، مثل: تركيا وإيران وباكستان والسعودية، هذه الدول نجحت باستخدام المغامرة الأمريكية غير المحسوبة كدافع أساسي للتقارب والتفاهم، ما قلب السحر على الساحر، وظهر أن ما عملت عليه الصين وروسيا طوال السنوات الماضية، وإن لم تكن آثاره سريعة، إلا أنّه أدى إلى بناء نظام إقليمي، راسخ تحت الرماد بانتظار اللحظة المناسبة لإظهاره إلى العلن. ورغم كل التشويش الجاري، لكن هناك إجماع على نشوء تكتلات إقليمية جديدة، تكتلات تعيد صياغة علاقاتها الخارجية على أساس مصالحها المشتركة، ويبدو أن الجميع وصل إلى استنتاجٍ واحد: الهيمنة الأمريكية يجب إنهاؤها. وكان ما جرى نقله مؤخراً عن دور خليجي في الدفع باتجاه الخيارات الدبلوماسية، مؤشراً جدياً لا ينبغي إهماله، فدول مثل: السعودية، رفضت استخدام الولايات المتحدة لأجوائها، وأفشلت بذلك مشروع ترامب لتأمين السفن في المضيق، ثم انتقلت للعمل مع قطر، وحتى الإمارات، لدفع الأمور إلى مسارات أخرى، وذلك تحديداً بعد أن تبين حجم الفاتورة التي يمكن أن تدفعها هذه الدول في حال استمر الصراع أكثر، والأهم، أن الرياض تحديداً، تدرك أنها قادرة على البناء على الاتفاق الذي رعته بكين بين السعودية وإيران، وأن اتفاقاً كهذا يمكن أن يحقق أهداف الأطراف الإقليمية المختلفة، دون الدخول في مغامرات عسكرية خطرة
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1279