المنتدى الدولي الأول للأمن... روسيا في مركز القوى المؤثرة!
شكل انعقاد المنتدى الدولي الأول للأمن في موسكو بين 26 و29 أيار 2026 خطوة كبيرة في اتجاه النظام الدولي الذي تسعى روسيا لتكريسه. فالمنتدى الذي جمع أكثر من 140 وفداً من نحو 120 دولة، بينها غالبية دول إفريقيا، وشركاء روسيا في مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون ورابطة آسيان ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، عكس بوضوح أن موسكو تعمل على بناء فضاء سياسي وأمني موازٍ للمنظومة الغربية التقليدية، مستندةً إلى شبكة متنامية من العلاقات مع دول الجنوب العالمي.
اللافت في المنتدى لم يكن حجم المشاركة فقط، وإنما طبيعة الخطاب السياسي الذي رافق أعماله. فمنذ اللحظة الأولى، جرى تقديم الحدث باعتباره منصة للدفاع عن «العالم المتعدد الأقطاب» وعن مفهوم «الأمن غير القابل للتجزئة»، في مواجهة ما تصفه موسكو بسياسات الهيمنة الغربية والحروب الهجينة ومحاولات التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ولهذا السبب، لم يكن غريباً أن تحمل الجلسات الأولى عناوين مرتبطة بمواجهة «الاستعمار الجديد»، والتضليل الإعلامي، ومكافحة النازية الجديدة، والحفاظ على القيم التقليدية، ليعبر عن أشكال الصراع الدائر عالمياً، متجاوزاً الشكل العسكري المباشر ليشمل الجوانب الثقافية والسياسية والاقتصادية.
في هذا السياق، يظهر المنتدى بوصفه جزءاً من النشاط السياسي والدبلوماسي الروسي المتصاعد منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، حيث رسخت موسكو وزنها الاستراتيجي في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، مستفيدة من التراجع المتسارع للهيمنة الغربية ومن تنامي رغبة العديد من الدول في تنويع شراكاتها الدولية. فروسيا تدرك أن العقوبات الغربية ومحاولات العزل السياسي لا يمكن مواجهتها فقط عبر الأدوات العسكرية، بل من خلال بناء شبكات تعاون اقتصادية وأمنية وتكنولوجيَّة واسعة مع القوى الصاعدة ودول الجنوب.
ومن هنا، فإن الحضور الكثيف للدول الإفريقية في المنتدى يحمل دلالة سياسية تتجاوز البعد البروتوكولي. فمشاركة خمسين دولة إفريقية تقريباً تعكس نجاح موسكو في ترسيخ حضورها داخل القارَّة، سواء عبر التعاون الأمني والعسكري، أو عبر مشاريع الطاقة والتعدين والغذاء، أو من خلال الخطاب السياسي الذي يركِّز على رفض الإرث الاستعماري الغربي. كما أنَّ التحضير المتوازي للقمة الروسية الإفريقية الثالثة المقررة في موسكو خريف 2026 يؤكد أنَّ روسيا تنظر إلى إفريقيا باعتبارها إحدى أهم ساحات إعادة تشكيل التوازنات الدولية خلال المرحلة المقبلة. وترافق انعقاد المنتدى مع الاحتفال بيوم إفريقيا لإحياء ذكرى تأسيس الاتحاد الإفريقي في 25 أيّار 1963، وبذلك تكون مناسبة لبحث الدول الإفريقية عن استكمال الاستقلال وكسر الهيمنة والنهب الغربي، بالإضافة إلى اجتماع البنك الإفريقي للتنمية والحديث عن التنمية المستدامة، خاصةً مع صعوبات التمويل والمشاكل اللوجستية المرتبطة بالصراعات الإقليمية، بالإضافة إلى البحث العلمي بعيداً عن المساعدات الغربية التي كانت تمثل إحدى أدوات الهيمنة وتكريس التبعية. وهذا ما يدفع الدول بشكل اضطراري للاعتماد على الموارد المحلية والقروض التي لا تخضع للضغوط السياسية والتدخل في الشؤون المحلية.
التحرك الروسي الواسع
لا يقتصر التحرك الروسي على إفريقيا وحدها، بل يمتد إلى مختلف المنظمات الإقليمية والدولية التي تسعى موسكو لتعزيز التعاون والتنسيق السياسي معها. فمجموعة بريكس لم تعد بالنسبة لروسيا مجرد تجمع اقتصادي ناشئ، وإنما منصة لإعادة صياغة موازين القوة المالية والتجارية عالمياً، خاصة مع تنامي الحديث عن التبادل بالعملات الوطنية وتقليص الاعتماد على الدولار. أما منظمة شنغهاي للتعاون، فقد تحولت إلى مساحة استراتيجية لتنسيق الرؤى الأمنية والسياسية بين روسيا والصين ودول آسيا الوسطى، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالإرهاب والطاقة والممرات التجارية.
وفي الإطار الأوراسي، تسعى موسكو إلى الحفاظ على تماسك الفضاء السوفييتي السابق عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، رغم الضغوط الغربية ومحاولات اختراق بعض دول هذا الفضاء. ولذلك جاء انعقاد الاجتماعات المرتبطة بالأمن الجماعي بالتوازي مع المنتدى ليؤكد أنَّ روسيا لا تزال تعتبر الأمن الإقليمي في آسيا الوسطى والقوقاز جزءاً أساسياً من أمنها القومي.
ومن بين المؤشرات المهمة التي برزت على هامش المنتدى، الحديث الإيراني-العُماني حول آلية جديدة لعبور مضيق هرمز. فهذا النقاش يعكس كيف تحاول موسكو تحويل المنتدى إلى مساحة حوار للقضايا الجيوسياسية الحساسة، وخاصة تلك المرتبطة بالممرات البحرية والطاقة والأمن الإقليمي. كما يكشف عن دور روسي متزايد في إدارة التوازنات داخل الشرق الأوسط، في ظل استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة وتغيُّر موازين القوى الإقليمية.
البدائل المرنة
وفي العمق، يمكن النظر إلى المنتدى باعتباره جزءاً من معركة أوسع تدور حول شكل النظام الدولي المقبل. فروسيا تسعى إلى ترسيخ فكرة أن الغرب لم يعد يمتلك القدرة الحصرية على إدارة المؤسسات الدولية أو تحديد قواعد الأمن العالمي، وأن هناك كتلة دولية واسعة – تسميها موسكو «الأغلبية العالمية» – باتت تبحث عن نظام أكثر توازناً وتعددية. ولهذا تحاول روسيا تقديم نفسها ليس فقط كقوة عسكرية تواجه الناتو، بل كقطب سياسي قادر على جمع دول الجنوب العالمي ضمن رؤية مشتركة تقوم على رفض الهيمنة الغربية وإعادة توزيع النفوذ الدولي، مما يحقق نظاماً عالمياً أكثر ديمقراطية وقدرة على حل الصراعات والمشاكل الدولية.
ورغم أن المنتدى لا يعني بالضرورة تشكُّل تحالف دولي متماسك بقيادة موسكو، إلا أنه يكشف بوضوح عن تحولات متسارعة في بنية العلاقات الدولية. فالدول المشاركة لا تنتمي إلى محور واحد بالمعنى الذي ترافق مع الحرب الباردة، لكنها تلتقي حول رغبة مشتركة في توسيع هامش استقلالها السياسي والاقتصادي بعيداً عن الضغوط الغربية. ومن هنا تبدو موسكو وكأنها تستثمر في لحظة دولية انتقالية، تحاول خلالها بناء شبكة واسعة من العلاقات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية تجعل من روسيا لاعباً مركزياً في النظام المتعدد الأقطاب الذي يتشكل تدريجياً.
وبذلك، فإن المنتدى الدولي الأول للأمن لم يكن مجرد مناسبة للنقاش الأمني، بل منصة سياسية تعكس الاستراتيجية الروسية الجديدة في إدارة الصراع الدولي: توسيع التحالفات، وتعميق العلاقات مع الجنوب العالمي، وتحويل المنظمات الإقليمية والدولية إلى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية في مرحلة ما بعد القطب الواحد.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1280
معتز منصور