الولايات المتحدة، طور جديد من أزمتها الداخلية
تدخل الولايات المتحدة مرحلة داخلية أكثر اضطراباً مع اقتراب الانتخابات النصفية لعام 2026، وسط تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل متزامن، وبما يعكس أزمة بنيوية أعمق من مجرد صراع انتخابي عابر بين الجمهوريين والديمقراطيين، فالمشهد الأمريكي الحالي لا يبدو كخلاف طبيعي داخل نظام مستقر، بل كصراع مفتوح بين مؤسسات السلطة نفسها، وبين قطاعات اجتماعية واقتصادية متزايدة السخط على الواقع القائم، في ظل شعور متنامٍ بأن النموذج الأمريكي يفقد تدريجياً قدرته على إنتاج الاستقرار أو تقديم حلول حقيقية لأزماته المتراكمة.
سياسياً، تبدو إدارة دونالد ترامب في ولايته الثانية أكثر هجومية وأكثر اندفاعاً في محاولة إعادة تشكيل الدولة الأمريكية ومؤسساتها وفق رؤيتها الخاصة، سواء عبر توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، أو فرض الولاء داخل الحزب الجمهوري، أو الدفع باتجاه سياسات أكثر تشدداً في ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية، لكن هذه الاندفاعة بدأت تصطدم بجدران داخلية متزايدة، ليس فقط من الديمقراطيين، بل من داخل الحزب الجمهوري نفسه.
تصدّعات في الحزب الجمهوري
أظهرت الأسابيع الأخيرة تصدعات واضحة جديدة داخل الحزب الجمهوري، سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، بعدما بدأ عدد من الجمهوريين بإظهار اعتراض علني على بعض مشاريع البيت الأبيض، خصوصاً ما يتعلق بحزمة تمويل الهجرة، وصندوق التعويضات المثير للجدل المرتبط بأحداث السادس من يناير/كانون الثاني (الهجوم على الكابيتول)، إضافة إلى الخلافات حول الصلاحيات التنفيذية المتوسعة لترامب، وهذا التململ يعكس خوفاً متزايداً داخل الحزب الجمهوري من أن تتحول شخصية ترامب وخياراته السياسية إلى عبء انتخابي لاحقاً.
ولعلّ أبرز ما كشفته التطورات الأخيرة، هو أن السيطرة المطلقة التي فرضها ترامب على الحزب الجمهوري منذ عودته إلى السلطة لم تعد صلبة كما كانت، فالصدامات داخل الحزب لم تعد هامشية أو إعلامية فقط، بل بدأت تتحول إلى مواجهات فعلية داخل المؤسسات التشريعية، مع تزايد القلق لدى بعض الجمهوريين من أن سياسات البيت الأبيض قد تهدد قدرتهم على الاحتفاظ بالأغلبية في الكونغرس خلال الانتخابات المقبلة.
صدامات السلطتين التنفيذية والقضائية
بالتوازي، تتصاعد المواجهة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، خصوصاً مع المحكمة العليا والمحاكم الفدرالية، فالبيت الأبيض يحاول الدفع نحو توسيع صلاحياته التنفيذية في ملفات الهجرة والتجارة والوكالات الفدرالية، بينما تواصل المحاكم عرقلة أو تجميد عدد من هذه السياسات، وقد شكّل قرار المحكمة العليا بإسقاط أجزاء أساسية من نظام الرسوم الجمركية الذي فرضه ترامب ضربة سياسية واقتصادية للإدارة، وأظهر حجم التوتر الدستوري المتصاعد داخل النظام الأمريكي نفسه.
هذا الاشتباك بين المؤسسات لا يعكس فقط خلافاً قانونياً، بل أزمة ثقة متزايدة داخل بنية الحكم الأمريكية، فالمؤسسات ما تزال تعمل شكلياً، لكن قدرتها على إنتاج توافق سياسي، أو استقرار اجتماعي تبدو أضعف من أي وقت مضى، في ظل استقطاب حاد وانقسام عميق داخل المجتمع الأمريكي.
اقتصاد يتهاوى
اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً وخطورة مما تعكسه بعض المؤشرات الرسمية، فصحيح أن الاقتصاد الأمريكي لم يدخل ركوداً تقنياً/رسمياً حتى الآن، وأن سوق العمل ما زال يحافظ على قدر من التماسك، لكن الضغوط المعيشية على الأمريكيين تتصاعد بشكل واضح. فالتضخم عاد للارتفاع، وأسعار الوقود قفزت بشكل كبير مع استمرار التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، بينما ارتفعت تكاليف السكن والرعاية الصحية والغذاء إلى مستويات ترهق شرائح واسعة من المجتمع.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تراجع حاد في ثقة الأمريكيين، حيث يشعر عدد متزايد منهم بأنهم يعيشون فعلياً حالة ركود حتى لو كانت المؤشرات الكلية لا تعكس ذلك بشكل كامل، فالأزمة لم تعد تُقاس فقط بالنمو أو البطالة، بل بقدرة الناس على تحمّل تكاليف الحياة اليومية، وهي تمضي بتدنٍ باضطراد.
وبينما تستمر الشرائح الأكثر ثراءً بالإنفاق والاستفادة من الأسواق المالية، تغرق الشرائح الوسطى والدنيا أكثر فأكثر في الديون والتقشف والاعتماد على القروض الاستهلاكية، وتشير التقارير إلى ارتفاع واضح بالاعتماد على بطاقات الائتمان وقروض «اشتر الآن وادفع لاحقاً»، إضافة إلى ازدياد العجز عن تسديد الأقساط والتأمين الصحي، ما يكشف هشاشة متزايدة داخل البنية الاجتماعية الأمريكية.
وهذه الضغوط الاقتصادية تترافق مع انعدام أفق سياسي واضح للحل، فإدارة ترامب تواصل الرهان على الرسوم الجمركية والسياسات الحمائية رغم الجدل القانوني والاقتصادي حولها، بينما يبدو الديمقراطيون عاجزين عن تقديم بديل اقتصادي أو سياسي مقنع لقطاعات واسعة من الأمريكيين.
اضطراب سياسي واجتماعي
هنا تظهر الأزمة الاجتماعية والسياسية بشكل أوضح، فالاستياء الشعبي من ترامب والجمهوريين يتصاعد بالفعل، لكن هذا لا يترجم تلقائياً إلى دعم للديمقراطيين، بل على العكس، فوفقاً لعدد من التقارير وآراء المحللين، يبدو أن قطاعات متزايدة من الأمريكيين تفقد ثقتها بالحزبين معاً، وترى أن النظام السياسي الأمريكي بأكمله عاجز عن معالجة الأزمات البنيوية المتراكمة.
وقد انعكس هذا المزاج في موجة الاحتجاجات والتحركات التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الفترات السابقة، من تظاهرات عيد العمال «May Day Strong» الواسعة، إلى احتجاجات الهجرة، واحتجاجات ضد ترامب «No Kings» والتحركات المناهضة للحرب مع إيران، وصولاً إلى الاعتراضات على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة. ورغم ما سبق ذكره، فإن البلاد لم تصل إلى مرحلة انتفاضة شاملة بعد، أو انهيار، لكن حالة الاحتقان وعدم الرضا الاجتماعي تبدو مستمرة وتتراكم، مع تصاعد الغضب من النخب السياسية والاقتصادية، ومن شعور متزايد بانعدام العدالة الاجتماعية.
كما أن الاستقطاب السياسي والثقافي داخل الولايات المتحدة بلغ مستويات غير مسبوقة تقريباً، سواء حول الهجرة، أو التعليم، أو الحقوق المدنية، أو دور الدولة، أو السياسة الخارجية، وهذا الانقسام لا يبدو مرشحاً للتراجع، بل للتفاقم مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
طور جديد من الأزمة الداخلية
في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تدخل طوراً جديداً من أزمتها المديدة، وبمستويات عدة: أزمة ثقة بالمؤسسات، وأزمة استقطاب سياسي، وأزمة معيشية متصاعدة، وأزمة قيادة داخل النظام نفسه... وقد لا يظهر ذلك على شكل انهيار مباشر أو فوضى شاملة، لكن الاتجاه العام يشير إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار خلال الفترات المقبلة.
اقتصادياً: تبدو البلاد متجهة نحو مزيج أكثر خطورة من التضخم والركود وتراجع القدرة الشرائية، مع احتمالات تصاعد موجة الإفلاسات والديون والأزمات المالية، إذا استمرت أسعار الطاقة والضغوط التضخمية.
سياسياً: تتعمق الانقسامات داخل الحزب الجمهوري وبين مؤسسات الحكم، فيما يعجز الديمقراطيون عن استعادة ثقة الأمريكيين.
اجتماعياً: من المرشح أن يتوسع الغضب الشعبي والتوترات الداخلية أكثر مع تراجع الإحساس بالأمان والاستقرار الاقتصادي والسياسي.
وعموماً فإن ما تعيشه الولايات المتحدة اليوم ليس أزمة عابرة مرتبطة بسوء إدارة أو انتخابات فقط، بل تعبيراً عن أزمة أعمق داخل النموذج الأمريكي نفسه، أزمة تتراكم منذ سنوات وتدخل الآن مرحلة أكثر وضوحاً وحدّة، من دون وجود أي مؤشرات حقيقية على قرب أو إمكانية احتوائها أو تجاوزها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1279