من أروقة الكنيست إلى الشاشات... معركة ترميم صورة «إسرائيل» المأزومة
معتز منصور معتز منصور

من أروقة الكنيست إلى الشاشات... معركة ترميم صورة «إسرائيل» المأزومة

يشكّل التوجّه نحو حلّ الكنيست «الإسرائيلي» والدفع نحو انتخابات مبكرة محطة جديدة في أزمة النظام السياسي داخل «إسرائيل»، لكنه في الوقت ذاته يكشف طبيعة الصراع الحقيقي الدائر داخل الطبقة السياسية «الإسرائيلية»؛ فهو ليس صراعاً بين مشاريع متناقضة حول الحرب، أو الأمن، أو مستقبل الكيان، بقدر ما هو صراع على الإمساك بالمبادرة السياسية، ومن يحدد توقيت إعادة إنتاج السلطة.

يتجه الكنيست «الإسرائيلي» نحو انتخابات مبكرة بعد تقديم كل من الائتلاف الحاكم والمعارضة مشاريع قوانين لحل البرلمان، في خطوة تعكس عمق الأزمة داخل حكومة بنيامين نتنياهو. وتشير التقديرات السياسية إلى أن الانتخابات قد تُجرى في أواخر آب أو خلال أيلول 2026، في حال استكملت إجراءات حل الكنيست خلال الأسابيع المقبلة.
اللافت في هذه التطورات، أن نتنياهو نفسه، عبر حزب الليكود، بادر إلى تقديم مشروع قانون لحل الكنيست، رغم أن هذه الخطوة كانت تُطرح أساساً من قبل المعارضة. ويعكس ذلك محاولة واضحة من رئيس الحكومة للاحتفاظ بالتحكم بمسار الأزمة وتوقيتها، ومنع خصومه من احتكار مشهد إسقاط الحكومة، أو فرض توقيت انتخابي لا يناسبه.
هذا السلوك يكشف طبيعة الأزمة الحقيقية داخل الكيان؛ فالصراع لم يعد يدور حول ضرورة استمرار الحرب أو وقفها، ولا حول التوجهات الأمنية الكبرى، بل حول الجهة القادرة على إدارة المرحلة المقبلة بعد أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من حروب في غزة ولبنان وإيران. ويكشف عمق الأزمة الوجودية التي يعيشها الكيان.
التصدعات تزداد داخل البنية السياسية

لقد انفجرت الأزمة الحالية على خلفية الخلاف بشأن قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، بعدما اعتبرت الأحزاب الدينية المتشددة أن نتنياهو لم يعد قادراً على تمرير التشريعات التي تضمن مصالحها. لكن هذا الخلاف، رغم حساسيته داخل المجتمع «الإسرائيلي»، لا يخفي حقيقة أن هذه الأحزاب بقيت طوال سنوات شريكاً أساسياً في الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة، لذلك تبدو أقرب إلى أداة ضغط سياسية داخل معركة إعادة ترتيب موازين القوى، لا إلى انقسام جذري حول طبيعة الدولة أو سياساتها الكبرى. فالقوى المختلفة داخل «إسرائيل»، من اليمين إلى الوسط، تتبنى عملياً الخطوط العريضة نفسها في ملفات الأمن والحرب والعلاقة مع الفلسطينيين، مع اختلافات تكتيكية مرتبطة بالإدارة السياسية أكثر من ارتباطها بتغيير حقيقي في الاتجاهات الاستراتيجية.
وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في الخطاب الانتخابي للقوى المتنافسة. فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن خصوم نتنياهو، مثل: يائير لبيد ونفتالي بينيت، لا يطرحون برنامجاً سياسياً مغايراً جذرياً، بل يركزون على فكرة «إعادة [إسرائيل] إلى مسارها الصحيح» وترميم الثقة بالمؤسسات بعد الصدمة الأمنية والاقتصادية التي عاشتها البلاد. فالانتخابات المقبلة، إذا جرت، لن تكون استفتاءً على الحرب بقدر ما ستكون استفتاءً على قيادة الحرب وإدارة نتائجها. كما أنها لن تعكس انقساماً أيديولوجياً حاداً بين معسكرين متناقضين، بل صراعاً داخل المنظومة ذاتها على من يملك القدرة على إعادة تثبيت الاستقرار السياسي وإدارة التوازنات الداخلية والخارجية.

ويزداد هذا المشهد تعقيداً مع استمرار محاكمة نتنياهو بتهم الفساد، وتراجع شعبيته منذ هجوم السابع من أكتوبر، مقابل عجز المعارضة حتى الآن عن ضمان تشكيل ائتلاف مستقر قادر على الحكم. وهذا ما يفسر تمسك نتنياهو بمحاولة التحكم بتوقيت الانتخابات، وربما تفضيله الذهاب إلى حكومة انتقالية طويلة نسبياً، تمنحه هامشاً أوسع للمناورة السياسية والأمنية.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل الحديث عن حل الكنيست عن الحسابات المرتبطة بالحرب الإقليمية المفتوحة. فالتقارير «الإسرائيلية» تتحدث عن احتمال أن تؤدي أي مواجهة جديدة مع إيران، أو تصعيد أمني واسع إلى تأجيل الانتخابات، أو إعادة خلط الأوراق السياسية بالكامل، وهو ما يعني أن المؤسسة السياسية «الإسرائيلية» ما تزال تستخدم البيئة الأمنية كعامل مباشر في إعادة تشكيل السلطة وتوازناتها.
في المحصلة، تكشف أزمة حل الكنيست أن «إسرائيل» تعيش أزمة قيادة أكثر مما تعيش أزمة خيارات استراتيجية. فالتناقضات القائمة بين مكونات النظام السياسي تبدو محدودة مقارنة بحجم التوافق القائم حول استخدام القوة والحفاظ على النهج الأمني والعسكري ذاته. أما المعركة الحقيقية، فهي تدور حول من يمتلك إدارة هذه المرحلة الحساسة، ومن ينجح في الظهور باعتباره القادر على إعادة ترميم صورة الدولة بعد واحدة من أعنف الهزات السياسية والأمنية في تاريخها الحديث.


نتائج اللقاء الإعلامي تاكر كارلسون


لا تنفصل أزمة القيادة وتثبيت التوازنات الخارجية لـ «إسرائيل» عن التراجع الحاد في مكانتها الدولية؛ وهو ما تجسّد بوضوح في السجال العنيف الذي دار خلال المقابلة التي أجرتها القناة 13 «الإسرائيلية» مع الإعلامي الأمريكي البارز تاكر كارلسون. ففي الوقت الذي تبحث فيه المنظومة السياسية داخل الكيان عن إعادة ترميم صورتها، جاءت تصريحات كارلسون لتوجّه ضربة قاسية للسردية «الإسرائيلية»؛ إذ وصف ما تفعله حكومة نتنياهو في قطاع غزة بأنه جريمة تاريخية، وإبادة جماعية، وتطهير عرقي، معتبراً أن «[إسرائيل] فقدت أخلاقيتها تماماً» وباتت تنتهج سلوكاً يجرّدها من صفة الدولة الديمقراطية، لا سيما مع استمرار سيطرتها المطلقة على ملايين الفلسطينيين المحرومين من حقوقهم السياسية منذ عام 1967. ولم يقتصر هجوم كارلسون على البُعد الإنساني، بل امتد ليعبّر عن تنامي تيار «عزل أمريكا أولاً» داخل اليمين المحافظ، حيث اتهم نتنياهو مباشرة بـ «الخيانة» وجرّ واشنطن إلى مواجهة مدمرة وغير ضرورية مع إيران، عبر الضغط على دونالد ترامب، مطالباً بقطع فوري لكافة أشكال الدعم المالي والعسكري والغطاء الدبلوماسي عن تل أبيب.

هذا الهجوم الناري أحدث هزة ارتدادية واسعة داخل الصحافة والإعلام «الإسرائيلي»، التي استنكرت تصريحاته بحدة وصدمة بالغة، ووصفته بأنه «تجاوز خطوط النقد السياسي ليتحول إلى هجوم وجودي شامل على شرعية الدولة». وركزت التحليلات العبرية على اتهام كارلسون بتبني الرواية الفلسطينية، وإعادة إنتاج «نظريات المؤامرة الكلاسيكية لمعاداة السامية» عبر حديثه عن قوى خفية وأصحاب أموال يحركون القرار الأمريكي خلف الكواليس لصالح «إسرائيل». كما أبدى المحللون «الإسرائيليون» قلقاً بالغاً من تغلغل هذا الخطاب الانعزالي داخل عمق الحزب الجمهوري والقواعد المؤيدة لترامب، مما يعني أن المعركة المقبلة للقيادة «الإسرائيلية» لن تقتصر على إدارة الملف الأمني الإقليمي، بل ستواجه تحدياً مصيرياً في الحفاظ على التحالف الاستراتيجي التقليدي مع الولايات المتحدة، والذي بدأ يتآكل من الداخل بفعل اتساع فجوة المواقف الأخلاقية والسياسية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279