خريف واشنطن يُغيّر وجه الخليج والمنطقة

خريف واشنطن يُغيّر وجه الخليج والمنطقة

لم يكن قرار الدخول في حربٍ مع إيران قراراً صائباً، هذا بالضبط ما يتفق عليه عددٌ كبير من المحللين الأمريكيين، لكن الأزمة الأكبر هي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبعد أن راهن وخسر رهانه يظل مصرّاً على الاستمرار، تماماً كمقامرٍ لم يعد يقبل الخسارة فيستمر ليخسر أكثر!

إن فهم الموقف الأمريكي بعيداً عن حصره في شخص ترامب وحده، خصوصاً أن الحرب والهوس بفكرة إسقاط إيران هي فكرة حاضرة بأذهان كتلة وازنة داخل منظومة الحكم الأمريكية، وتحديداً داخل الجزء المرتبط عضوياً بالصهيونية، وذلك نظراً لكون إيران عائقاً جدياً أمام فكرة «إسرائيل الكبرى» وإن «نجاح» هذا المشروع لا يمكن أن يمر قبل إنهاء العائق الأول أمامه.
لكن المهمة التي بدأتها القوات الأمريكية وقوات جيش الاحتلال منذ حوالي عشرة أسابيع تعثّرت وأصبح من السهل القول: إنّ الخطوات السابقة فشلت فشلاً ذريعاً في إنهاء إيران، ونرى في هذه المرحلة أن المشكلة تتركز على موضوع آخر، وهو كيف يمكن أن تحافظ الولايات المتحدة على الهيمنة بعد خسارة كهذه؟ وكيف يمكن أن توقف تداعي الدومينو؟ فإن قبلوا في واشنطن وتل أبيب بالواقع الحالي فهذا يعني أننا أمام عصر جديد تماماً، تتغير فيه الأدوار ويفرض الآخرون شروطهم!


مشروع أمريكي ينتهي في 36 ساعة!


هذه التوصيف يكفي لفهم ما الذي يجري الآن، فالحرب مستمرة فعلياً ولم تتوقف ولن تتوقف قريباً كما يبدو، لكنّها في الوقت نفسه تجري وفق قواعدٍ صارمة للحفاظ على أخفض شدّة ممكنة، لتتحول إلى حرب استنزافٍ طويلة، يراهن فيها كلُّ طرفٍ على أن قدرة احتماله أعلى من خصومه، ولكن نجاح طهران في السيطرة على مضيق هرمز وضعها في موقعٍ متقدم كثيراً، فنحن أمام مشهدٍ تستطيع فيه إيران تخفيض آثار الحصار على نفسها وعلى حلفائها قدر الإمكان، فهي قادرة من جهة على تأمين نسبة مرتفعة من السفن رغم الحصار الأمريكي على المضيق وتملك طرقاً أخرى لتأمين اتصالها مع العالم، سواء برياً أو عبر بحر قزوين. هذا الظرف يفرض على المعسكر المقابل تحمّل قدرٍ أكبر من الخسائر، وهو ما يمكن أن يفسر رغبة ترامب في كسر هذا الواقع عبر محاولته البائسة: «مشروع الحرية» الذي انطلق في 4 أيار، فالولايات المتحدة «صاحبة القدرات البحرية الجبارة» ظنّت أنّها قادرة على فرض ما
تريد في المضيق قبل أن تتلقى رداً قاسياً وسريعاً من إيران، استُهدفت خلاله 3 مدمرات قبل أن يعلّق ترامب «مشروع الحرية» بعد 36 ساعة فقط من إطلاقه!


تطور سريع في الموقف السعودي


إعلان «مشروع الحرية» وما رافقه من ضجيج إعلامي تحّول بسرعة إلى مصيبة، فكيف يمكن النظر للولايات المتحدة بعد أن تتراجع وتنهزم خلال 36 ساعة فقط؟ لكن الأهم هو ما بدأ يخرج على الإعلام بعد ذلك بأيام، وهو تحديداً أن السعودية والكويت رفضتا المشاركة بهذه المغامرة ومنعتا الولايات المتحدة من استخدام قواعدهم ومجالهم الجوي، ما يفسر جزئياً سرعة توقف هذه العملية، لكن ذلك يؤشر في الوقت نفسه على تطورٍ كبير في مواقف هذه الدول، وتحديداً في الموقف السعودي، الذي يدرك أن الرهان على النجاح في مساعي الولايات المتحدة و«إسرائيل» هو رهانٌ خاسر، وبدلاً من الاستثمار في حماقات عسكرية جديدة ينبغي البحث عن مخرج، ولذلك ترى الرياض اليوم أن الرهان الحقيقي يجب أن يعتمد أولاً على المسار الذي تقوده إسلام آباد، وثانياً على إبقاء القنوات مفتوحة مع إيران.
في هذا السياق بدأت المملكة السعودية تزيد بشكلٍ أكبر من الإشارات في هذه الاتجاهات، مثل: التصريح الذي نقله تلفزيون «العربية» السعودي في 8 أيار الجاري عن مصدرٍ مسؤول، أكد فيه أن «المملكة لم تسمح باستخدام أجوائها لدعم عمليات عسكرية هجومية» وجاء في مقال نشرته نيويورك تايمز، أن «وزير الخارجية السعودي يتواصل بانتظام وبشكل متكرر مع نظيره الإيراني بهدف الوصول إلى تفاهمات متبادلة وتقريب وجهات النظر بعيداً عن التصعيد العسكري الأمريكي» وذلك بعد ترسخ قناعة داخل الرياض بأن واشنطن لن تكون قادرة على تحقيق أهدافها.


المثال أمامنا!


من زاوية ثانية، وإذا ما نظرنا إلى الوقائع كما هي دون محاولة تحليلها بعمق، لظهر بوضوح أن الرهان على الولايات المتحدة و«إسرائيل» في هذه اللحظة هو رهانٌ خاسر، وتظهر الإمارات كمثالٍ حيٍ على ذلك، فهي تعمل حتى اللحظة بوصفها شريك استراتيجي للواشنطن وتل أبيب، لكن أبوظبي تخاطر بهذا التوجه بخسارة ذلك الأساس الذي يعتمد عليه مشروعها، فإن تحويل بلد مثل الإمارات من مجرد مركز سياحي ومصدر لخامات الطاقة، ليكون مركزاً مالياً عالمياً و«شريكاً» في رأس المال المالي العالمي، يحتاج إلى جملة من الشروط فقدتها الإمارات منذ إطلاق أول مسيرة إيرانية باتجاهها، فالإمارات عملت خلال سنوات على تطوير نفسها بوصفها قاعدة يمكن للشركات الكبرى أن تعمل منها، وجرى ضخ استثمارات بمئات المليارات لذلك، وكان يبدو أن هذا التوجه ناجح وسيستمر، وكان هناك توجّه جديد شديد الأهمية يرتبط بقدرة الإمارات بمساعدة مواردها وموقعها أن تتحول إلى مساحة حيوية لمراكز البيانات والخدمات السحابية في العالم، لكن الأخبار الأخيرة التي بدأت تخرج من عمالقةٍ، مثل: أمازون.. عن حجم الأضرار التي تلقتها مراكز البيانات، يعني أن طموح الإمارات تعثّر، إن لم يكن انتهى تماماً.

فخلال المواجهات العسكرية تضررت مراكز بيانات لشركات كبيرة، مثل: أمازون وأوراكل، أدت في حالة أمازون إلى تخريب واسع في منطقتي عمل في البحرين والإمارات، وأدت إلى أضرار كبيرة تعذّر معها استمرار تقديم الخدمات، وتعطلت على إثرها 31 خدمة أساسية تقدمها هذه المراكز، والواضح، أننا لا نتحدث هنا عن أضرار بسيطة، بل إن تقدير زمن الإصلاح بحسب الشركة يحتاج عدّة أشهر قد تصل إلى نصف عام، ما دفع أمازون للطلب من عملائها نقل بياناتهم إلى مناطق أخرى خارج الخليج كلياً، ولفهم هذه النقطة بالتحديد يجب الانتباه إلى أن مراكز البيانات هذه تعتمد على بناء بنية تحتية في عدة مراكز ضمن نفس المنطقة، ما يضمن بالعادة أن يستمر العمل حتى حين يتعطل مركز ما، لكن إيران كانت تستهدف عدة مراكز في آن واحد ما يخرج كل المنطقة عن العمل، لكي تكون شركات، مثل: أمازون، مضطرة لنقل عملائها إلى أماكن آمنة، مثل: أوروبا أو شرق آسيا!
إن مراكز البيانات هي عصب أساسي في حياتنا اليوم، وتضررها يعني توقف وتعطل خدمات كبرى لشركات وبنوك، ما يمكن أن يؤدي إلى شلل في الحياة، فضلاً عن أن أضرار كهذه تعني مئات الملايين، فأمازون أعفت المستخدمين من هذه المناطق من تسديد الرسوم خلال شهر آذار بالكامل، كشكل من أشكال التعويض، ما أدى لخسائر بـ 150 مليون دولار، قابلة للزيادة، بالإضافة إلى تكاليف صيانة وإعادة تأهيل تصل إلى 850 مليون دولار! والتي تبدو أرقاماً هزيلة إذا ما نظرنا إلى حجم الخسارة في الاستثمارات اللاحقة!

إن تحطم النموذج القائم في الإمارات سيكون واسع التأثير، ويزيد من التباينات في التوجهات في الخليج والمنطقة، فإن كانت الإمارات مثالاً يستخدم قبل بضعة أشهر فقط عن معنى أن تكون حليفاً للولايات المتحدة و«إسرائيل» ويجري تسويق هذه العلاقة من خلال كمية «المنافع» التي حصلت عليها الإمارات، جاءت الحرب لتبرهن أن الرهان على الطرف الخاسر يحمل نتائج مدمرة على المستوى الاستراتيجي، فإن القراءة الخاطئة لخريطة التوازنات وكيف يتحرك العالم من حولنا اليوم ليست مسألة ترفية، بل هي بوصلة ينبغي الاقتداء بها. إن استنتاجات كهذه تبدو حاضرة في أذهان قوى إقليمية، مثل: تركيا والسعودية، وهو ما يزيد من الوقود المخصص لعملية التحوّل، ويزيد من سرعتها للابتعاد عن الولايات المتحدة، وربط أنفسهم بالمشاريع قوى الجنوب العالمي

معلومات إضافية

العدد رقم:
1277