الحرب في السودان... تقلباتٌ في المواقع وسط تجاذبات إقليمية
تشهد الساحة السودانية خلال المرحلة الحالية تصعيداً عسكرياً وسياسياً يعكس تحولاً في طبيعة الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط تزايد الانخراط الإقليمي وتراجع فرص الحلول السياسية. وكذلك ارتفاع استخدام المسيرات من طرفي الصراع، فالحرب التي اندلعت في 15 نيسان 2023 لم تعد مجرد مواجهة داخلية على السلطة والنفوذ، بل تحولت تدريجياً إلى ساحة صراع إقليمي.
أعلن الجيش استعادة السيطرة على منطقة «مقجة» الإستراتيجية في ولاية النيل الأزرق، في خطوة تعكس أهمية الجبهة الجنوبية الشرقية التي تحولت إلى محورٍ حساس في الصراع، خاصة مع توسع نشاط قوات الدعم السريع وحلفائها في تلك المنطقة.
وتبرز أهمية النيل الأزرق والكرمك تحديداً باعتبارهما بوابة جغرافية مرتبطة مباشرة بالحدود الإثيوبية، وهو ما يفسر تصاعد الاتهامات السودانية لأديس أبابا بالتورط في دعم قوات الدعم السريع. فالحكومة السودانية تتهم إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق الطائرات المسيّرة وتقديم تسهيلات لوجستية للقوات المتمردة، خصوصاً بعد استهداف مطار الخرطوم بطائرة مسيّرة، في تصعيد حمل دلالات سياسية وعسكرية كبيرة، لا سيما أن المطار كان قد استقبل قبل فترة قصيرة أول رحلة دولية منذ اندلاع الحرب، حيث اتهمت السودان بشكل مباشر الإمارات وإثيوبيا بهذا الاستهداف، إذ أفادت الخرطوم بامتلاكها أدلة ناتجة عن إسقاط إحدى المسيرات تثبت أن المسيرات التي انطلقت من الأراضي الإثيوبية كانت إماراتية.
بالإضافة للعديد من التقارير التي كشفت عن وجود معسكرات تدريب داخل الأراضي الإثيوبية مخصصة لتأهيل مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع، إضافة إلى تطوير مطار «أسوسا» القريب من الحدود السودانية لاستخدامه في تشغيل الطائرات المسيّرة. وهذا ما يعني انخراطاً أوسع لإثيوبيا في الصراع السوداني، وهو تحوّلٌ يرتبط على الأرجح بحسابات إثيوبية أوسع، تتعلق بموازين القوى في منطقة القرن الأفريقي وبملفات التوتر مع الخرطوم، وعلى رأسها ملف الحدود وسد النهضة.
في المقابل، لا تزال الإمارات تُتهم بلعب دور رئيسي في دعم قوات الدعم السريع، سواء عبر الدعم اللوجستي أو من خلال توفير الطائرات المسيّرة وشبكات الإمداد. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه الإمدادات باتت تواجه صعوبات متزايدة، خصوصاً مع تراجع فعالية بعض المسارات القادمة من ليبيا، نتيجة الضغوط والتحركات العسكرية المضادة، الأمر الذي دفع قوات الدعم السريع إلى تعزيز اعتمادها على المحور الشرقي المرتبط بإثيوبيا.
وعلى المستوى الميداني، تحاول قوات الدعم السريع تعويض الضغوط الواقعة عليها عبر توسيع نطاق العمليات العسكرية. ففي جبهة كردفان، تتواصل محاولاتها لإعادة فرض الحصار على مدينة الدلنج، بالتوازي مع تصاعد ما بات يعرف بـ «حرب المسيّرات» التي امتدت إلى ولايات الوسط، حيث تعرضت مدينة كوستي في ولاية النيل الأبيض لهجمات بطائرات مسيّرة، في مؤشر على تحول الحرب
تدريجياً من مواجهات تقليدية إلى حرب استنزاف تعتمد على الضربات البعيدة واستهداف البنية التحتية والمراكز الحيوية.
كما سعت قوات الدعم السريع، بالتعاون مع الحركة الشعبية- شمال، إلى تعزيز وجودها في أقصى جنوب شرق السودان عبر العملية العسكرية التي أطلقتها في آذار الماضي، والتي مكنتها من السيطرة على بلدة الكرمك ومناطق محيطة بها. بهدف فتح جبهات جديدة وإرباك الجيش السوداني، إضافة إلى تأمين ممرات إمداد بديلة في حال فقدان بعض خطوط الدعم التقليدية.
ورغم استمرار قوات الدعم السريع في إظهار قدرتها على القتال، فإنها تواجه في الوقت نفسه تحديات داخلية متزايدة، أبرزها: الانشقاقات التي ضربت بنيتها القيادية خلال الفترة الماضية. ويعد انشقاق اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القبة»، والذي يوصف بأنه الرجل الثالث في هرم قيادة قوات حميدتي، واحدةً من أبرز الضربات المعنوية والتنظيمية التي تعرضت لها القوات مؤخراً، خاصةً أنه انضم إلى الجيش السوداني مع مجموعات مقاتلة ومركبات عسكرية كاملة. كما تأتي هذه الخطوة بعد انشقاقات سابقة مهمة، أبرزها: انتقال أبو عاقلة كيكل وقوات «درع السودان» إلى صفوف الجيش، وهو التحول الذي لعب دوراً محورياً في استعادة ولاية الجزيرة خلال 2024.
وتشير هذه الانشقاقات إلى وجود تآكل تدريجي داخل البنية الداخلية لقوات الدعم السريع، سواء بسبب طول أمد الحرب، أو نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة. كما أن العقوبات الدولية الأخيرة تعكس تنامٍ للضغوط الخارجية على الشبكات الداعمة للقوات، في حين أقر مجلس الأمن عقوبات على القوني حمدان دقلو، شقيق قائد قوات الدعم السريع، بتهمة المشاركة في شراء الأسلحة والمعدات العسكرية.
هذه الضغوطات دفعت قائد قوات الدعم السريع للتصريح بآن قواته مستعدة لمواصلة القتال حتى عام 2040، مقابل تقديرات داخل الجيش تتحدث عن احتمال استمرار الحرب حتى عام 2033، فيما يبدو ضغط متبادل وإظهار مدى قدرة طرفي الصراع على تحمل أعباء الصراع. فكل طرف لا يزال يمتلك القدرة على منع الآخر من تحقيق انتصار حاسم، بينما تستمر القوى الإقليمية في توفير الحد الأدنى من الدعم الذي يمنع انهيار المليشيات بشكل كامل.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السودان عالقاً في دائرة حرب استنزاف مفتوحة، تتفاقم معها الكارثة الإنسانية والانهيار الاقتصادي وتفكك مؤسسات الدولة. كما أن شبه انعدام المسارات السياسية، وفشل المبادرات الإقليمية والدولية في فرض تسوية قابلة للحياة، يزيدان من احتمالات استمرار الصراع لسنوات طويلة، خصوصاً مع تحول السودان إلى ساحة تقاطع للمصالح الإقليمية والدولية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277
معتز منصور