أمن الطاقة في زمن الحرب... هل يهدد مضيق هرمز الصين؟
يتزامن العدوان العسكري الأميركي–«الإسرائيلي» على إيران مع موجة واسعة من التحليلات، التي تفترض أن الصين تقف على حافة أزمة طاقة خانقة، خصوصاً عند الحديث عن إغلاق، أو اضطرابات في مضيق هرمز. غير أن هذه القراءة تتجاهل معطيات أساسية تعكس صورة أكثر توازناً. وتغفل طبيعة الاستراتيجية الصينية بعيدة المدى، القائمة على تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الجيوسياسية، وتنويع مصادر الطاقة، وبناء احتياطات قادرة على امتصاص الصدمات.
تستند بعض التحليلات لأزمة الطاقة على فرضية أن الصين تعتمد بشكل حاسم على النفط القادم عبر مضيق هرمز، لكن نظرة دقيقة إلى مزيج الطاقة الصيني تُظهر عكس ذلك. ففي الواقع، لا يشكل النفط العنصر الحاسم في منظومة الطاقة الصينية كما يُشاع. ورغم كون الصين أكبر مستورد للنفط عالمياً، إلا أن مزيج الطاقة لديها يعتمد بدرجة أكبر على الفحم والطاقة الكهرومائية والمتجددة، ما يمنحها هامشاً واسعاً من الاستقلالية. كما أن مستويات الاكتفاء الذاتي المرتفعة، إلى جانب التوسع الكبير في مشاريع الطاقة النظيفة، تقلل من حساسية الاقتصاد الصيني لأي انقطاع مفاجئ في الإمدادات النفطية. فوفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية، يشكّل الفحم نحو 60.9% من إجمالي مزيج الطاقة، مقابل 18.3% فقط للنفط و7.9% للغاز، كما أن إنتاج الكهرباء يعتمد بنسبة تقارب 55% على الفحم، في حين تشكّل الطاقة الكهرومائية نحو 14% والطاقة الشمسية والرياح حوالي 22% مجتمعة. فالنفط، رغم أهميته، ليس العمود الفقري للنظام الطاقي الصيني، بل عنصر ضمن منظومة أوسع وأكثر تنوعاً.
وتسارعت في السنوات الأخيرة عملية التحول الطاقي بشكل لافت، حيث تجاوزت قدرة الطاقة النظيفة «الطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية» نظيرتها المعتمدة على الوقود الأحفوري، لتصل إلى 51% من إجمالي القدرة الكهربائية في 2025. كما تمثل مصادر الطاقة منخفضة الكربون نحو 42% من إنتاج الكهرباء، مع نمو سريع في الطاقة الشمسية «أكثر من 40% سنوياً في بعض الفترات».
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أهمية مضيق هرمز كممر رئيسي لنقل النفط إلى آسيا. فقبل الحرب، كانت نحو نصف واردات الصين من الطاقة تأتي من الشرق الأوسط، لكنها انخفضت إلى حوالي 31% مع اندلاعها. لكن بكين عملت خلال السنوات الماضية على تطوير أدوات فعالة للتعامل مع هذا النوع من المخاطر، من بينها بناء احتياطات نفطية استراتيجية ضخمة، وتنويع مورديها لتشمل روسيا ودول آسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية. مما يجعل من الصعب إحداث صدمة حادة ومستمرة في الاقتصاد الصيني. وتُظهر البيانات، أن الصين رفعت إنتاجها المحلي إلى نحو 4.44 مليون برميل يومياً في 2026، بالتوازي مع زيادة المخزونات الاستراتيجية، ما ساهم في الحفاظ على استقرار السوق الداخلي رغم تراجع بعض الإمدادات.
في السياق ذاته، يبرز الدور الروسي كعامل توازن مهم. فموسكو، التي عززت حضورها في سوق الطاقة الآسيوي، أعلنت مراراً جهوزيتها لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات، عبر خطوط أنابيب «قوة سيبيريا» والسكك الحديدية العابرة لأوراسيا. وكذلك، أثبتت التجربة أن التعاون الصيني مع إيران، وعلاقاتها غير المباشرة مع القوى المحلية في اليمن، ساهم في تقليل تأثيرات التوترات الحالية. فقد طورت بكين آليات مرنة للتعامل مع العقوبات والقيود، ما سمح باستمرار تدفق الطاقة حتى في ظروف معقدة. هذه المرونة الى جانب كونها أداة اقتصادية، تعكس رؤية استراتيجية تعتبر الطاقة جزءاً من منظومة الأمن الشامل، كما أكدت القيادة الصينية مراراً في سياساتها منذ 2014.
في الخلاصة، يتضح أن الحديث عن «أزمة صينية» بسبب هرمز يتجاهل بنية الطاقة الفعلية في الصين، وقدرتها على التنويع والتكيف. وتكشف الوقائع أن هذه السردية أقرب إلى التهويل منها إلى التحليل الواقعي، وأن الصين، على العكس، قد تجد في الأزمة فرصة لتعزيز استقلالها الطاقي، لتكتشف واشنطن أن المضيق قد أُغلق في وجه أحلامها بالهيمنة، بينما واصلت الصين صعودها دون اكتراث.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274
حلا الحايك