أحلاهما مرّ لواشنطن: قبول شروط إيران... أو استمرار الحرب!
انتهت يوم السبت 11 نيسان الجاري جولة المفاوضات الإيرانية-الأمريكية في العاصمة الباكستانية إسلام أباد دون التوصل إلى اتفاق، ورفض الوفد الأمريكي اقتراح الوسيط الباكستاني بتمديد التفاوض إلى يوم الأحد، وغادر الوفد برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس إلى الولايات المتحدة، بعد أن عقد مؤتمراً صحفياً قصيراً، ما ترك الباب مفتوحاً لكل الاحتمالات، بما فيها انهيار الهدنة الهشة لوقف إطلاق النار، التي من المفترض أن تستمر أسبوعين.
كانت الآمال معلّقة على جولة التفاوض للوصول إلى اتفاق نهائي وشامل ينهي جولة التصعيد الخطيرة، التي شهدها غرب آسيا بعد العدوان المشترك الأمريكي-«الإسرائيلي» على إيران، وما تلاه من تصعيد خطير، تحوّل مع إغلاق مضيق هرمز إلى تهديد كبير للاقتصاد العالمي، نظراً للأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها المضيق، وتحديداً بخصوص إمدادات النفط والأسمدة العالمية.
المفاوضات والمخارج الممكنة
إن العدوان على إيران، وبعد مرور أكثر من شهر منذ بدء العمليات العسكرية العنيفة، فشل في تحقيق أيٍّ من الأهداف المعلنة، وطهران رغم الأضرار الجسيمة التي تعرضت لها البلاد، استطاعت فرض واقعٍ عسكري صعب، أدى إلى تدمير هائل في البنية التحتية العسكرية الأمريكية في المنطقة، وأضرارٍ كبيرة داخل «إسرائيل» لم يكن من الممكن حصرها بعد بسبب التعتيم الشديد الذي تفرضه تل أبيب، هذا بالإضافة إلى فرض سيطرة مطلقة على مضيق هرمز الاستراتيجي، إذ أصبحت إعادة فتحه مسألة ملحة بالنسبة للولايات المتحدة، لكنّها كانت عاجزة عن إنجاز المهمة، بالرغم من كل الأصول العسكرية المسخرة لذلك.
من هنا، كان الوصول إلى طاولة المفاوضات بحد ذاته مؤشراً على حجم المأزق، وخصوصاً كون إعلان الرئيس الأمريكي كشف أن التفاوض يجري على البنود العشرة التي تقدمت بها إيران، بدلاً من البنود التي سبق أن تقدّمت بها واشنطن، والتي رأت فيها طهران شروط استسلام لم تستطع الولايات المتحدة تحقيقها في الميدان، ولذلك كان الموقف الإيراني واضحاً «ما لم تحققه الحرب الأمريكية لن تحققه المفاوضات».
ومن هذه النقطة، كان أي تعنت أمريكي في التفاوض، سيؤدي حتماً إلى فشل جولة التفاوض، وهو ما جرى بحسب المصادر الإيرانية، فعلى الرغم من إعلان فانس عن «المرونة» و«النية الصادقة» إلا أن ما جرى كان غير ذلك، فالجانب الأمريكي- وهو ما أعلنه فانس في المؤتمر الصحفي- ظل مصرّاً على حرمان إيران من حقها في التخصيب على أراضيها، واعتبرت الولايات المتحدة أن إيقاف التخصيب، وتفكيك البرنامج النووي الإيراني، هو شرط ملزم لأي اتفاق قادم. ورغم تركيز المؤتمر الصحفي على الملف النووي، إلا أن عدداً من التقارير كشفت خلافات واسعة شملت عدداً كبيراً من النقاط. فالولايات المتحدة مصرّة على إنهاء الوضع الحالي وإعادة فتح المضيق، وإنهاء السيطرة الإيرانية عليه، وهو ما ترفضه طهران، بالإضافة إلى خلافات حول الأموال الإيرانية المجمدة، والتي كان يفترض أن تفرج عنها واشنطن بموجب الاتفاق، قبل أن يتبين أن المسألة لا تزال معلّقة.
جبهة لبنان والخروقات المستمرة
كانت إيران وباكستان أكدتا في وقتٍ سابق، أن اتفاق الهدنة كان يفترض أن يشمل جبهة لبنان فيما رفضت «إسرائيل» والولايات المتحدة ذلك، وقالوا: إن لبنان لم يكن مشمولاً في الاتفاق، ما جعل الساعات الأولى التي كان يفترض أن يدخل فيها وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، أقرب لتكون حرباً طاحنة، إذ شهدت الجبهة اللبنانية أعنف حملة قصف «إسرائيلية» منذ بداية الحرب الحالية، ورغم أنّ شدّة هذه الضربات انخفضت لاحقاً، لكنّها لم تتوقف أبداً، مما استوجب فعلياً رداً متواصلاً من جانب المقاومة اللبنانية.
أي إن وقف إطلاق النار كان هشّاً منذ البداية، وحرصت إيران على التأكيد بوجوب أن يشمل الاتفاق لبنان، وحرصت على إيصال رسائل واضحة، حول استحالة فصل الملفات عن بعضها البعض، فربما كان هناك البعض داخل واشنطن يأمل أن تسمح الهدنة بإنهاء الدور الأمريكي وإبقاء الحرب مشتعلة بين إيران وحزب الله من جهة، و«إسرائيل» من جهة ثانية، قبل أن تنفذ إيران سلسلة من الهجمات التحذيرية على الخليج، وإعادة إغلاق مضيق هرمز، الذي شهد انخفاضاً ملحوظاً لحركة المرور، حتى عن تلك التي كانت موجودة قبل وقف إطلاق النار.
ما الذي يعنيه الوصول إلى اتفاق؟
إن مجرد قبول واشنطن في التفاوض على أساس المقترح الإيراني، يُعد مؤشراً على ميل الكفة في هذه الحرب إلى الجانب الإيراني بوضوح، فرغم عنف الضربات وحجم الأضرار، تظل أوراق القوة التي تملكها طهران حاضرة، فقدراتها الصاروخية لا تزال كبيرة، وتقدر بالآلاف، ما يسمح لها ضمن مخزونها الحالي من استمرار في المعركة لأشهر قادمة، هذا إلى جانب قدرات تبدو غير محدودة في إنتاج المسيرات، وقدرات بحرية تسمح لها بفرض إغلاق المضيق.
المشكلة التي تبدو واضحة، أن الولايات المتحدة تواجه مأزقاً جديداً يشبه في بعض جوانبه ما جرى في أوكرانيا، التي انخرطت الولايات المتحدة في حملة دعم غير مسبوقة، ولم تستطع هناك فرض شروطها عسكرياً، لكنّها وفي الوقت نفسه،
غير قادرة على المضي قدماً في اتفاق مع الجانب الروسي، نظراً لأن أي اتفاق سيراعي الموازين العسكرية على الأرض، ويثبت الوزن الروسي، ما يعني سلسلة من التداعيات الكارثية على الولايات المتحدة على المستوى العالمي.
الوضع في غرب آسيا خطير أيضاً بالنسبة لواشنطن، بل ويحمل تداعيات أكثر حدّة عن تلك التي يمكن أن تنتج عن الحرب في أوكرانيا، فإن أي اتفاق ضمن المعطيات الحالية لا يمكن أن يتم إلا مع تراجع أمريكي مؤكد، يشمل ضمناً لا فقط خسارة السيطرة على مضيق هرمز الحيوي، بل أيضاً تراجع الوجود الأمريكي في المنطقة، وصولاً إلى إنهائه، ما يضع على الطاولة عدداً كبيراً من المسائل أهمها: مصير البيترو دولار.
إن تحويل المضيق إلى السيطرة الإيرانية يعني فعلياً أن مجموعة بريكس قد مضت خطوة إضافية في تفكيك الهيمنة الأمريكية، ويسمح ذلك بإعادة نظر ٍشاملة لسوق الطاقة، ودور الدولار الأمريكي فيها، ما سيكون له تداعيات كارثية لا على الاقتصاد الأمريكي، فحسب بل سيقلل بشكل متسارع حجم النهب الجاري للعالم، وبالتالي يقلل قدرة الولايات المتحدة على تمويل دورها العالمي. وبدلاً من أن تدار المرحلة بحذرٍ شديد، ستجد واشنطن نفسها أمام سلسلة مترابطة من التداعيات لن يكون من الممكن إيقافها.
إن فهم ما جرى ويجري في غرب آسيا حتى اللحظة، وتداعياته العميقة على الدور الأمريكي، وما يعنيه ذلك من انفتاح في آفاق العمل أمام قوى آسيا الصاعدة كلّها، تعد عناصر أساسية في فهم صعوبة الوصول إلى الاتفاق الذي جرى بحثه في إسلام أباد، فإن هذا الاتفاق هو هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة و«إسرائيل» سيعيد بالفعل «رسم خريطة الشرق الأوسط» لكن باتجاه مخالف تماماً للرغبة الصهيونية، وهو ما يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى مماطلة كبيرة في هذا الملف، بل وأيضاً الدخول في موجة تصعيد عسكري جديدة، لكنّها كسابقتها، لن تتحول إلا إلى نقاط إضافية تصب في مصلحة قوى العالم الجديد.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1273