طبيعة الدور الصيني في الحرب الحالية وإنهاء «تسليع» المعلومات الاستخباراتية

طبيعة الدور الصيني في الحرب الحالية وإنهاء «تسليع» المعلومات الاستخباراتية

دخلت الحرب أسبوعها السادس، والتي كان يفترض أن تنهيها الولايات المتحدة و«إسرائيل» خلال بضعة أيام، ولكن لا مؤشرات حتى الآن على اقتراب نهايتها، بل يشير ما نراه حتى اللحظة إلى أن الاحتمالات الأرجح ستكون مزيداً من التصعيد والتورط الأمريكي، وتحديداً مع الحديث عن إمكانية الانتقال إلى أعمال برية على الأرض، لكن الأخطر، هو طبيعة الدور الصيني، وما يعنيه هذا خلال الفترة القادمة.

يبدو التنبؤ بنتيجة المعركة محسوماً بنظر الخبراء العسكريين، وما يجري النقاش حوله هو نتائج الحرب بالمعنى الواسع، ويجري التركيز عليه في فضاء التحليل الاستراتيجي على المستوى العالمي. وإن كانت مجالات البحث ضمن هذا الميدان واسعة، إلا أن دور الصين في الفترة القادمة يحتل جزءاً معتبراً من التحليل، ويظهر وضوحاً أننا أمام عددٍ من الأفكار تشمل مجالاتٍ واسعة.
فمن جهة وخلال الأيام القليلة الماضية، بدأ يظهر دور أوضح لبكين على الخط الدبلوماسي، وتحديداً بعد زيارة وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار إلى الصين، التي تلاها طرح مبادرة صينية-باكستانية من خمس نقاط، ركزت على وقفٍ فوري لإطلاق النار، وبدء مفاوضات سلام شاملة، مع حماية الأهداف المدنية والممرات التجارية.
المبادرة، غالباً ما تكون نتيجة لتوافق سبق زيارة إسحاق دار إلى الصين، جرى في إسلام أباد بين السعودية وتركيا ومصر وباكستان، ثم جاء التوجه إلى بكين لتكون الواجهة الدولية لهذه المبادرة، ما يعني- إن صح هذا التقدير- أن الثقة بقدرة الصين على أداء دور أساسي في أمن المنطقة بات محط توافق كل القوى الإقليمية الأصيلة في غرب آسيا، ويسمح لنا هذا بالقول: إن المشاريع التي جرت صياغتها في بكين لحل مشكلات المنطقة باتت تحظى بقبول أكبر بكثير من السابق، بعد أن حسم الواقع عقبات كبيرة كانت تقف في وجهها.
فالصين صاحبة لواحدة من الصياغات لأمن جماعي في الخليج، كان الهدف منها تجنب أيّ صدامٍ مسلح بين الدول العربية وإيران، وكان وجود قواعد أمريكية في المنطقة معيقاً لأي تفاهم جدي حول هذه المسألة، بينما يمكن اليوم القول: إن مستقبل هذه القواعد مبهم، وقد لا تعود أبداً! فهي تحتاج إلى صيانة واسعة وإعادة تهيئة بالمعنى اللوجستي، بمعدات تكلّف مليارات الدولارات، وهي لن تكون يسيرة بعد الحرب، هذا فضلاً عن أن الدول التي استضافت هذه القواعد قد ترى نفسها أمام فرصة مناسبة لطي التفاهمات السابقة.


نموذج جديد لم يعرفه الخليج من قبل!


إن بكين لا تطرح نفسها كبديل للمظلة الأمنية الأمريكية، فهي حريصة على عدم الوقوع في الأخطاء الأمريكية التي نشهد نتائجها الآن، بل يبدو أن ما تفكر فيه الصين هو البحث عن نقاط استقرار محلية، كافية لأداء المهمة والتوازن المطلوب، دون ضرورة لحضور قوى عظمى، وترى أن الركون إلى هذا النوع من التدخلات ما هو إلا تشوّه نتج عن فترة الهيمنة الأمريكية، ولا ينبغي تكراره، فإن إنشاء نظام أمن إقليمي في منطقة الخليج، يمكن أن ينجح حين تتوفر شروطه، ولعل الأساسي فيه، هو أن تكون الدول المعنية دولاً مستقلة فعلاً، وهو ما كان واضحاً في حديث وزير الخارجية الصيني في مكالمة مع نظيره العماني، وانغ يي حين قال: «تأمل الصين أن تُعزّز دول الخليج استقلالها وسيادتها، وأن تُعارض التدخّل الأجنبي، وأن تُنمّي علاقات حسن الجوار، وأن تُعزّز الوحدة والتعاون، وأن تُمسك بزمام مستقبلها ومصيرها» وهذا جهد دبلوماسي يدفع الأمور بالاتجاه الذي تريده الصين، أي تقليص النفوذ العسكري الأمريكي في المنطقة، لا لتشغل هي الفراغ، بل لبناء شبكة محلية بديلة قادرة على تجنب الصدامات مستقبلاً، تماماً كتلك التي جرى بناؤها في شرق آسيا، مثل: منظمة شنغهاي.


المعلومات الاستخباراتية ملكٌ للجميع!


إن الدور الأبرز للصين في هذه الحرب، هو في الحقيقة تحوّل استراتيجي كبير لم يكن بالإمكان التفكير فيه قبل بضع سنوات، فإن مجابهة قوى عظمى، مثل: الولايات المتحدة قبل عقدٍ من الزمن، كانت قائمة على فكرة «الحرب غير المتكافئة» مثل: النموذج الذي جرى في فيتنام، أي أن تعتمد على مقاومة طويلة بإمكانيات عسكرية بسيطة، لكنّها قادرة على إلحاق ضرر كبير خلال فترة زمنية طويلة، تؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع القوى العظمى، لكن ما يجري في إيران اليوم تجاوز ذلك بكثير، فيعتبر الكاتب الأردني-الفلسطيني سيف الدين عموص:
أن إيران هي قوة من القرن الواحد والعشرين، بينما واشنطن قوة من القرن العشرين، فالأسلحة الأمريكية المتطورة هي في الواقع تعتمد على فلسفة محددة، وضعت في مرحلة الحرب العالمية الثانية، وجرى تطوير هذه الأسلحة جيل وراء جيل، ويقول عموص: «قد يتبيّن أن الصواريخ فرط الصوتية تتفوق على حاملات الطائرات كما تتفوق البنادق على السيوف، إذ تسمح الصواريخ والبنادق بتحييد الخصم عن بُعد، بينما تتطلب السيوف وحاملات الطائرات الاقتراب من الهدف. فهل ستصبح حاملات الطائرات متقادمة، مثل السيوف في الحروب الحديثة؟».

إن طرحاً كهذا يمكن أن يفتح لنا مجالاً لإعادة تقييم ما يجري بعيداً عن توصيفات، مثل: «حرب غير متكافئة» فإيران تملك اليوم صواريخ فرط صوتية، بينما لا تملكها الولايات المتحدة، وصحيح أن هناك عدم تكافؤ بين القطع العسكرية التي تملكها إيران وتلك التي تملكها واشنطن، لكن الحديث هنا يدور عن الفاعلية، فاعلية المسيرات والصواريخ في مقابل قطع ضخمة، مثل: حاملات الطائرات، وهو ما يعبّر عنه الكاتب الأردني فيقول: «عندما يتباهى ترامب بتدمير الأصول العسكرية التقليدية، فكأنما يتباهى بقتل الخيول ووحدات الفرسان الإيرانية».

لكن إذا ما أردنا أن نبني أكثر فوق هذه الفكرة، يمكننا القول: إن المسيرات والصواريخ الإيرانية تظل محدودة الفعالية إلى حدٍ كبير، إن لم تكن مدعومة بقدرات استخباراتية عالية، وهي ما كانت تبدو هدفاً صعب المنال بالنسبة لبلد مثل إيران، لكن ما قامت به الصين غيّر المعادلة كلياً، فتقوم بكين عبر عدد من الشركات الخاصة والأفراد الخبراء بإنهاء عقود من احتكار القدرات الاستخباراتية العالية، فبدلاً من بيع هذه القدرات والمعلومات تقوم الصين بنشرها مجاناً على الإنترنت، بشكل متاح للجميع، دون أي مقابل! وكشفت جريدة واشنطن بوست عن دور شركات صينية في تقديم معلومات مفتوحة عن تحركات لحظية للقوات الأمريكية، جعلت كل قدرات التخفي مسألة مضحكة! فإن كانت الأقمار الاصطناعية الصينية قادرة على رصد القاذفات الأمريكية الشبحية أثناء التزود بالوقود، وتحديد مساراتها بشكلٍ لحظي، بل وأيضاً اختراق اتصالاتها، فنكون أمام هدف مكشوف، واستطاعت هذه المعلومات المتاحة للجميع رصد كل الاستعدادات العسكرية وحجمها ومواقعها، وهو ما حوّل كل القواعد والقوات الأمريكية بما فيها حاملات الطائرات العملاقة إلى أهداف سهلة بالنسبة للصواريخ والمسيرات الإيرانية. في السياق ذاته تظهر فيديوهات على حسابات مختصين صينيين يعطون بشكلٍ طوعي ومجاني دروساً في كيفية إسقاط طائرات f-35 مثلاً! وتبين أن هذه الدروس كانت نافعة! فبعد نشر الدرس بخمسة أيام، وترجمته إلى الفارسية وحصده لعشرات الملايين من المشاهدات، نجحت قوات الدفاع الجوي الإيرانية من إسقاط الطائرة بالطريقة نفسها المشار إليها بالفيديو!
الصين، فرضت عصراً جديداً أقرب ليكون «استخبارات مفتوحة المصدر» وهذا لا يرتبط بالحرب الحالية في إيران، بل هو أوسع وأخطر من ذلك بكثير، فبكين تعلم أن أعداء الولايات المتحدة كثر، ومعظمهم شعوب دولٍ فقيرة عانوا لعقود من بطش ماكينة الحرب الأمريكية، وهم اليوم مستعدون كل الاستعداد لاستخدام هذه المعلومات، فمن يرغب في إسقاط F-35 ليست طهران وحدها، بل هناك أطراف عديدة تحضر هذه الدروس باهتمام. الصين بدلاً من أن تدخل في هذه الحرب بشكلٍ مباشر مع الولايات المتحدة، تبني حولها شبكة من الحلفاء، تتحول فيها تنظيمات صغيرة، مثل: أنصار الله في اليمن، إلى تهديد للهيمنة العسكرية الأمريكية بل وفي كثير من الأحيان إلى طرفٍ أعلى تنظيماً، وبالتالي متفوق عسكرياً!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1272