أزمتا ترامب ونتنياهو متداخلتان ومتشابكتان... كل الخيارات صعبة
ظنّ صنّاع القرار الأمريكيون و«الإسرائيليون» أن بإمكانهم تحقيق انتصار سريع وحاسم بإسقاط النظام الإيراني، ودفع إيران بلداً وشعباً نحو اقتتال وانهيار داخلي، فكانت النتيجة وقوعهم في «مستنقع» صنعوه بأيديهم، وباتت تديره وتتحكّم به إيران نفسها، لنرى ارتدادات اقتصادية وسياسية واجتماعية عديدة وكبيرة في الداخل الأمريكي و«الإسرائيلي» على حدّ سواء، تنذر بتوترات قادمة.
تشهد الولايات المتحدة حملة متصاعدة باطراد، ضد الحرب الجارية وإدارة ترامب واللوبي الصهيوني مجتمعين، مدفوعة بالتأثيرات الاقتصادية السلبية المباشرة، وبارتفاع الأسعار، بدءاً من المحروقات التي ترفع أسعار مختلف أنواع البضائع، والتهديدات الاستراتيجية التي ارتفعت مستوياتها على كل الصعد، الاقتصادية والسياسية والعسكرية على حدٍّ سواء، بما فيها الأفرع الأساسية المالية والتكنولوجية والصناعية.
تحذيرات التضخم والركود
وفقاً لآخر البيانات التي تتناقلها صحف الاقتصاد الأمريكي، بناء على رأي خبراء من وول ستريت، فإن الحرب الجارية تُسرّع بالفعل من التضخم داخل الولايات المتحدة بوتيرة عالية، وعلى هذا الأساس ارتفعت توقعات حصول ركود اقتصادي في الولايات المتحدة خلال عام 2026 من 23% ما قبل بدء الحرب، إلى 37٪ دفعة واحدة خلال شهر من القتال، وهي عادة ما تكون نسباً تحمل تجميلاً للواقع وتفاؤلاً كبيراً أساساً، والنسبة مرشحة للارتفاع مع استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية.
وفي هذا الجانب الاقتصادي، من المفيد التذكير بأنّ ارتفاع أسعار المحروقات ومعها البضائع، لا يعني فقط صدمة بالأسعار بالنسبة للأمريكيين، وإنما سرقة أموالهم ودفعهم نحو فقرٍ أكثر، مقابل اغتناء أولئك المتحكمين بسلاسل التوريد، والمستفيدين من ارتفاع أسعار الطاقة، والشريحة الطفيلية التي تسعى للاستفادة من أيّ أزمة، وهو ما ستكون له آثار على المدى الأبعد.
ضغوط وتحوّلات سياسية
مع هذه الورطة الاستراتيجية التي وقعت فيها الولايات المتحدة، فإن تحالف «ماغا» خصوصاً، بات يتفكك تدريجياً، وموقف الجمهوريين عموماً بات أضعف، بينما ارتفع وعلا صوت الديمقراطيين من جديد، وبالتوازي مع الاستياء الشعبي العام، وتحرّك العديد من القوى السياسية الأخرى ومنظمات مختلفة، خرجت إلى شوارع الولايات المتحدة مظاهرات حاشدة بالملايين في قرابة 3000 نقطة تجمّع، تندد بالحرب وترامب. وتفيد مؤشرات استطلاع الرأي بوجود نسبة 60٪ ترفض الحرب الجارية، وتشير إلى انخفاض شعبية ترامب إلى مستوى يتراوح بين 36 و40٪.
هذه التطورات الداخلية الكبيرة والمتسارعة على الصعد كافة، باتت تضع ترامب أمام تهديد مباشر من خصومه الديمقراطيين، باحتمالية فوزهم بأغلبية المقاعد في غرفتي الكونغرس الأمريكي، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، خلال انتخابات التجديد النصفي في شهر تشرين الثاني المقبل، بما يعنيه ذلك: الحد الأدنى إعاقة ترامب عن فعل كل ما يريده، والحد المتوسط عزله، والأعلى محاكمته وإدانته... وحتى إن تمكنوا من السيطرة على مجلس النواب وحده، فذلك سيتيح لهم مجالاً أوسع للحركة، وبالتالي ضغوطاً وتهديداتٍ أعلى.
أزمة ترامب المركبة
كل ذلك يضع ترامب وإدارته تحت ضغوط وتحديات وتهديدات متزايدة، على إثرها نشهد العديد من الإجراءات السياسية والحكومية، منها: إقالة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم خلال شهر آذار، وإقالة المدّعي العام بام بوندي، ورئيس أركان الجيش الأمريكي (القوات البرية) راندي جورج، خلال شهر نيسان الجاري، مع تصريح لترامب يشير إلى سعيه لإجراء تغييرات حكومية واسعة.
كل واحدة من هذه الإقالات تحمل سبباً خاصاً بها، بعضها يصعب استنتاجها بعد، وأخرى تجمعها عموماً. السبب العام، هو سعي ترامب لضمان وجود أناس موالين له، وإن كانوا أقل كفاءة من أقرانهم، لضمان سير خططه دون عرقلة، أو مناورة قدر الإمكان، وإن كان السبب خلف إقالة نويم غير واضح بعد، إلا أن إقالة بوندي تأتي وسط تهديدات متزايدة من الديمقراطيين بالضغط على تحريك دعاوى سابقة، والاستعداد لدعمها بأدلة جديدة، والتحضير لدعاوى جديدة تمهيداً لاحتمالية فوزهم في انتخابات التجديد النصفي.
أما إقالة راندي جورج فقد جاءت في اللحظة التي يدور بها سجال أمريكي حول احتمالية وإمكانية وجدوى إنزال قوات برّية في إيران، أو على أطرافها كجزيرة خارج، ويبدو أن جورج يرفض أو يبدي تردده، ورغم أن إقالته في هذا السياق لا تعني أن ترامب عازم على القيام بهذا الأمر، إلا أنها تشير إلى عدم رضاه عن وجود أحد بموقع مسؤولية حساس كهذا، ومن المحتمل أن يعيقه مستقبلاً سواء في إيران أو غيرها... فضلاً عن أن أزمة ترامب الحالية والضغوط التي يواجهها، واحتمال انهيار تحالف «ماغا» ووصول الديمقراطيين ورفع دعاوى ومحاكمات، منها ما يتعلق بملفات «ابستين»، بات يشبه بدرجة ما ظرف رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو، الذي يواجه محاكمات بالفعل، وبات مستفيداً على المستوى الشخصي من إدامة الحرب وتوسيع رقعتها، لتأجيل هذه المحاكمات بذريعتها إلى ما لا نهاية، إلا أن أزمة ترامب أشدّ وأعمق، فلا هو قادر على اتخاذ قرار إنهاء الحرب بشكل صارم ما لم يضمن إمكانية ارتفاع حظوظه مجدداً، أو على الأقل حظوظ «ماغا» أو حتى الجمهوريين مستقبلاً، ولا هو قادر على الاستمرار بها لما لها من تداعيات اقتصادية كبيرة وخطيرة على الولايات المتحدة عموماً.
الداخل «الإسرائيلي» المحتقن
في السياق ذاته، يزداد الظرف في الداخل «الإسرائيلي» سوءاً أيضاً، علماً أن تحالف نتنياهو سياسياً يبدو مستقراً إلى درجةٍ ما، طالما أن الحرب جارية، لكن هذا الأمر يبقى رهن تطورات داخلية أخرى، اجتماعياً واقتصادياً، الجانبان اللذان يشهدان توتراً متعاظماً بمرور الوقت، فوفقاً لآخر البيانات التي تتداولها الصحافة «الإسرائيلية» ارتفعت نسبة الإنفاق العسكري 120%، ويخسر الاقتصاد «الإسرائيلي» 3 ملايين دولار أسبوعياً خلال الحرب الجارية، وقد خُفّضت توقعات النمو لعام 2026 من 5.2٪ إلى 2٪ مما يعني تراجعاً وتضييقاً على معيشة وجودة حياة «الإسرائيليين» لفترة طويلة، حتى وإن توقفت الحرب بكل ساحاتها اليوم، وذلك فضلاً عن التداعيات الاجتماعية والنفسية للركض إلى الملاجئ صباحاً ومساءً، وخسارة إيرادات القطاع السياحي، وتوقف العديد من الأعمال، ومن الممكن ذكر طرفة، أن بعض المقاهي «الإسرائيلية» باتت تفرض الدفع بشكل مسبق من زبائنها، وذلك بعد هروب العديد منهم، وعدم دفع فواتيرهم بذريعة إنذارات الصواريخ، والركض نحو الملاجئ، مما أدى إلى تراجع في أرباحهم.
نتنياهو يقترب من أزمة ترامب
ما سبق، يدفع «الإسرائيليين» باتجاهين.
الأول: بالتحرك ضد الحرب، وضد نتنياهو وحكومته، وفي هذا السياق شهدنا مظاهرات واحتجاجات متلفزة من بعض رؤساء البلديات، فضلاً عن عدة مواقف ميدانية، كان منها وقوف مجموعة من «الإسرائيليين» يصرخون أمام منزل وزير التعليم.
الثاني: أن المجتمع «الإسرائيلي» هو مجتمع هجين، ومبني على تجمّع لجماعات غير متجانسة وبتراتبية عنصرية ضمنية، الأوضح فيها هو «الحريديم» الذين نشهد مواجهات ميدانية عدة بينهم وبين القوى الداخلية، أو بعض «الإسرائيليين» إثر قضية التجنيد، إلا أن أيّ شرارة غير متوقعة قد تدفع كل هذه الجماعات لانفجار فيما بينها، وهو ما بات يضع نتنياهو أيضاً بأزمة مشابهة لترامب: إذا طالت الحرب أكثر دون تحقيق أيّ نتائج، فإن عزله ومحاكمته، أو الاقتتال الداخلي قادم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1272