تايوان في مهب الصراع: هل تضبط دبلوماسية الطاقة بوصلة الجزيرة؟
تكتشف تايوان اليوم أن الوعود الأمريكية لا تضيء المصابيح، ولا تدير المصانع، فبينما تغرق النخبة في أوهام الاستقلال السياسي، يأتي خناق الطاقة ليثبت أن الاستقلال الحقيقي مستحيل، دون السيطرة على مصادر الطاقة الأساسية، ومع ارتهان قراراتها للخارج، تضع النخبة مصير كادحيها تحت رحمة تقلبات السوق، وصراعات القوى الكبرى، مما يجعل «السيادة» المزعومة قشرة رقيقة تتهاوى أمام حقيقة العجز عن تأمين شريان الحياة الأساسي.
في خطوة استفزازية جديدة، حط وفد من الكونغرس الأمريكي في 30 آذار 2026، بقيادة السيناتور جين شاهين في تايبيه، سعياً لدفع المشرّعين إلى إقرار مشروع قانون الإنفاق الدفاعي البالغ 40 مليار دولار. وبينما يكافح الرئيس لاي تشينج تي وحزبه لإقناع المعارضة المتمثلة بنواب حزب الكومينتانج بتمويل صفقات الأسلحة من الشركات الأمريكية، تبدو هذه التحركات وكأنها محاولة لبيع «دروع ورقية» لجزيرة تواجه حصاراً مادياً حقيقياً. من جهتها، جددت بكين تأكيدها: أن موقفها تجاه قضية تايوان «ثابت وواضح». ودعت واشنطن إلى «الالتزام بمبدأ الصين الواحدة» والتعامل مع مسألة تايوان «بحذر وبطريقة مناسبة» و «التوقف عن إرسال أي إشارات خاطئة إلى القوى الانفصالية الساعية إلى ما يسمى استقلال تايوان».
خناق مضيق هرمز، واختبار الصمود
بينما تسعى السلطة إلى إنفاق المليارات على صفقات السلاح، تتجاهل حقيقة أن تايوان تعيش على «أجهزة إنعاش» طاقية خارجية، حيث تعتمد الجزيرة بنسبة تصل إلى 99% على استيراد النفط والغاز، ومع استمرار الحرب الأمريكية-«الإسرائيلية» في الشرق الأوسط، يبرز مضيق هرمز كحبل مشنقة يهدد الاقتصاد التايواني، فبالرغم من محاولات التنويع، لا تزال دول الخليج تمدّ الجزيرة بحوالي 35% من احتياجاتها النفطية، وثلث وارداتها من الغاز المسال «LNG» القادم من قطر والإمارات. الكارثة الحقيقية تكمن في أن مخزون الغاز، الذي يولد نصف كهرباء البلاد بعد إغلاق آخر محطة نووية في 2025، لا يكفي لأكثر من 11 يوماً فقط، بحسب تقرير نشرته مؤسسات بحثية في 3 آذار. وهي فجوة أمنية مرعبة، تضع تايوان في ذيل القائمة الآسيوية من حيث القدرة على الصمود. وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لقلب الاقتصاد العالمي، إذ يستهلك القطاع الصناعي وحده أكثر من 55% من كهرباء الجزيرة، وتأتي شركة TSMC، عملاق صناعة الرقائق، كأكبر مستهلك للطاقة بنسبة تتجاوز 12.5% من إجمالي الاستهلاك الوطني في 2025، مع توقعات بقفزة هائلة لتصل بحلول 2030 إلى 24% نتيجة طفرة الذكاء الاصطناعي. إن هذا النهم الطاقي لعمليات التصنيع التي لا تتوقف 24/7 يصطدم بواقع مرير: فدون استقرار الإمدادات عبر مضيق هرمز، ستتحول أرقى المختبرات التكنولوجية إلى مجرد هياكل صامتة. ليتجاوز قلق تايوان في 2026 مجرد الخوف من نقص الإمدادات، إلى الإدراك أن «المعجزة الاقتصادية» مبنية على رمال متحركة، وأن أي اضطراب في مياه الخليج، قد يؤدي إلى شلل الإنتاج العالمي، الذي تعتمد فيه التكنولوجيا المتقدمة بنسبة 70% على استقرار الكهرباء في معامل تايوان.
المبادرة الصينية، حلول سلمية تتجاوز القوة العسكرية
بمسؤولية وحزم، تقرأ بكين الضرورات الموضوعية، فعلى الرغم من التأكيد الصيني المستمر بأن جميع الخيارات لإعادة توحيد الجزيرة مطروحة على الطاولة، بما فيها الخيار العسكري. تثبت مراراً تفضيلها للحلول السلمية الدبلوماسية. تجلى ذلك عملياً من خلال إعلان المتحدث باسم مكتب شؤون تايوان بمجلس الدولة الصيني، تشن بين هوا، استعداد بكين «لتزويد أبناء الوطن في تايوان بإمدادات طاقة مستقرة وموثوقة» بمجرد «تحقيق إعادة التوحيد السلمي». مشيراً أن الخطوة «ستخلق فرصاً كبيرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في تايوان» وستجعل «معالجة النقص في الكهرباء والغاز الطبيعي والنفط الخام في تايوان ممكنة تماماً»، مضيفاً ضمانة «تمتع أبناء الوطن في تايوان بإمدادات طاقة أنظف وأيسر في التكلفة وأكثر استقراراً».
من خلال الرفض الرسمي لهذا المقترح، تقدم النخبة الحاكمة ولاءها لمركز الثقل الإمبريالي في واشنطن على حساب تأمين الخبز والكهرباء لجمهور الكادحين التايوانيين. مما أحدث هزة عميقة وتصدعاً في موقفها أمام شارع يخشى الظلام الاقتصادي، من جهة ثانية، سارع حزب الكومينتانج المعارض للتحرك ببراغماتية، حيث أعلنت رئيسة الحزب في 30 آذار قبولها دعوة رسمية وجهت للحزب لزيارة البر الصيني في نيسان، مؤكدة رغبتها للمساهمة «في التنمية السلمية للعلاقات عبر مضيق تايوان» وتعزيز «رفاهية الشعبين في جانبي المضيق». ويمثل هذا التحرك اعترافاً ضمنياً بأن الحل للأزمات المعيشية والطاقية لا يأتي من واشنطن البعيدة، بل من خلال تفاهمات واقعية مع الجار القريب تضمن استمرار تدفق شريان الحياة للجزيرة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1272
حلا الحايك