غرب آسيا… توجهات جديدة لم يعد من الممكن إيقافها!

غرب آسيا… توجهات جديدة لم يعد من الممكن إيقافها!

بعد أن تعثّرت المحاولة الأمريكية-«الإسرائيلية» في الوصول إلى نتائج سريعة في حربٍ خاطفة على إيران، وجد هذا التحالف المشؤوم نفسه، في حرب استنزافٍ قاسية، يتلقى فيها ضربات يومية كثيفة من عدّة اتجاهات، ورغم أن المشهد قد يبدو عبثياً، إلا أن أهدافاً استراتيجية لا تزال موضوعة على الطاولة.

بعد مرور ثلاثين يوماً منذ بدء الحرب، لا تزال احتمالات التصعيد قائمة، فبعد تصريحات للرئيس الأمريكي عن وجود مفاوضات إيجابية مع الجانب الإيراني، تبين لاحقاً أنّها غير موجودة، وكل الأنباء عن تفاوض يجري بشكلٍ غير مباشر، ولا يبادر به الطرف الإيراني، بل إن طهران تتمسك بقائمة من طلبات لإنهاء الحرب، لا كما تصوّر واشنطن المسألة. وخصوصاً أن الولايات المتحدة و«إسرائيل» لم تحققا أي هدفٍ جدي، يمكنهم من خلاله تسويق ما جرى على أنّه نصر، وهو ما يمكن أن يزيد من حجم التورط لا العكس، فواشنطن وتل أبيب حتى وإن كانتا بحاجة لإيقاف الحرب، لكنهما في الوقت نفس تحاولان ألا تظهرا بمظهر المهزوم، لما لذلك من تداعيات في الإقليم والعالم، وهو ما يمكن أن يحوّل كل التصريحات عن احتمال تحرك بري أمريكي في إيران إلى مسألة جدية، ولكنّه يزيد من حجم التورط، نظراً لأن إيران 4 مرات حجم العراق، وبكتلة بشرية تفوق الـ 90 مليوناً، تظهر أعلى درجات التماسك.
ومع أن التفاصيل الميدانية كثيرة، تظل هناك خططٌ موضوعة، ويجري العمل عليها، وتغطيتها بالعمل العسكري الجاري.


نقاش فرضيات يحسمها الواقع!


إن جزءاً كبيراً من المحللين المرموقين، أجمعوا على أن خطة الولايات المتحدة و«إسرائيل» كانت تعتمد بشكلٍ أساسي على اغتيالات في الصفوف الأولى، واستغلال حالة الإرباك المفترضة لفرض تغيير كبير في بنية إيران، كافٍ لإخراجها من المعادلة الإقليمية، ما يمكن أن ينتج عنه إعادة حسابات إقليمية شاملة، فمن وجهة نظرهم يمكن لتفتيت إيران أن يتحول إلى شكلٍ من أشكال الإرهاب السياسي في غرب آسيا، ويدفع الدول الإقليمية إلى السير بالاتجاه الذي تريده واشنطن وتل أبيب. لكن ليس من المستبعد- إن وسعّنا زاوية الرؤية-
إدراك أن حجم التهديد يظل كبيراً، حتى في مرحلة الاستنزاف، فالولايات المتحدة عملت خلال العقد الماضي على محاولة حشر دول الإقليم في حلف في مواجهة إيران، وإلى جانب «إسرائيل»، وهناك بلا شك من لا يزال مقتنعاً، أن الظرف الحالي يمكن أن يحقق هذا الهدف، وهذا ما يفسر المحاولات الحثيثة والمستمرة لدفع دولٍ جديدة إلى دائرة النار، غير تلك الموجودة في النادي الغربي، بل تحديداً دول المنطقة.

وفي هذا السياق، ظلّ التركيز الإعلامي منذ بدء الحرب الحالية على احتمال تدخل دول الخليج، وأثار البعض وجود اتفاقية دفاعٍ مشترك سعودية-باكستانية، كما لو أن هذه الاتفاقية بالتحديد كانت السبب في انخفاض حدّة التصريحات الباكستانية، عمّا شهدناه خلال حرب الـ 12 يوماً في حزيران الماضي، لكن النظر إلى المشهد العام بشكلٍ موضوعي، يقودنا إلى قراءة مختلفة، وهناك مثال ملموس يمكن عرضه في هذا السياق، وتحديداً في القمة التي استضافتها العاصمة السعودية الرياض، والتي ضمت عدداً كبيراً من الدول لنقاش الوضع الإقليمي الملتهب، وشاركت فيها 12 دولة عربية وإسلامية، وكان عنوانها «الاجتماع الوزاري التشاوري لوزراء خارجية مجموعة من الدول العربية والإسلامية بشأن العدوان الإيراني» يبدو كما لو أن هناك حالة من الإجماع ضد إيران، بل لم يتطرق هذا البيان الختامي لأي انتقادات صريحة للولايات المتحدة و«إسرائيل» وبدا في البيان كما لو أن إيران هي من يتحمّل مسؤولية التصعيد الجاري، لكن ما تلى هذا المؤتمر بدأ يشير إلى اتجاه مختلف، فوزير الخارجية التركي هاكان فيدان عبّر صراحة خلال زيارته لدول الخليج، أن «إسرائيل» هي المسؤول عن التصعيد الحالي، وظهر على الإعلام أن دولاً مثل: باكستان ومصر وتركيا تعملان دبلوماسياً على إنهاء هذه الحرب، وأداء دور الوساطة. لكن المثير للاهتمام كان أن أربعاً من الدول المشاركة في القمة (باكستان والسعودية ومصر وتركيا) عقدوا بشكلٍ مفاجئ وغير معلن مسبقاً، اجتماعاً رباعياً على هامش الحدث، ورغم أن الإعلام لم يسلط الضوء كثيراً على هذا اللقاء، أو موضوعه، إلا أن الصحفي التركي كمال أوزتورك كشف موضوع هذه المباحثات، نقلاً عن وزير الخارجية التركي، وقال: إن الاجتماع الرباعي كان مفاجئاً، ومختلفاً عن موضوع الاجتماع الموسع، وقال: إن «له أهمّية بالغة وسيؤثر في مستقبل المنطقة». ثم يكشف أوزتورك أننا أمام احتمال نشوء تحالف رباعي، يضم هذه الدول، له منطق مختلف عن السائد، ويشرح أنّه: «يتعين على الدول الإسلامية أن تحل مشكلاتها بنفسها، وأن تتكفل أيضا بالدفاع عن نفسها. بلغ الأمر مرحلة وجودية، لذلك أصبح من الضروري إنشاء تحالف جديد للأمن والدفاع».


ما هو الخطر الوجودي؟


ما كشفه الصحفي التركي من حديث دار بينه وبين فيدان، بعد أن انطلقت الطائرة من أبوظبي إلى الرياض، لم يكن طرحاً جديداً، وكان يجري الحديث حوله قبل اندلاع الحرب الأخيرة أيضاً، وهذا ما يزيد من أهميته، فالدول المعنية كانت تدرس خياراً كهذا، وما يجري اليوم أثبت صحّة هذا التوجّه، وخصوصاً بعد التصريحات «الإسرائيلية» عن مشروع «إسرائيل الكبرى» بل ربما تكون هذه التصريحات جاءت بعد يقين داخل تل أبيب، أن هذه التوجهات جدية، ولم يعد بالإمكان ثنيها، ورغم التطورات الأخيرة، ظلّت الفكرة قائمة وملحة، بل وبدأت الآن خطوات تنفيذية أولية، إذْ جرى الإعلان عن لقاء جديد في إسلام أباد يوم الإثنين 30 آذار الجاري، ورغم أن كل ما قيل حتى الآن لا يمكن اعتباره توجّهاً رسمياً معلناً، إلا أن الصحافة «الإسرائيلية» بدأت بشن هجومٍ على هذا التكتل، ورأت فيه «كتلة قوية ومعادية» إذْ ذكرت القناة 12 «الإسرائيلية»: «إن هذا التحالف يضم الدول الأقوى، والأكثر هيمنة في العالم الإسلامي، والتي تتبنى مواقف حازمة ومعادية تجاه [إسرائيل]» وخصوصاً، أن تل أبيب ترى أن تحالفاً من هذا النوع يمتلك مزايا نوعية، مثل: «التكنولوجيا الدفاعية التركية، والردع النووي الباكستاني، والثقل المالي السعودي، والقوة العسكرية المصرية».

ضمن هذا السياق، يبدو أن الولايات المتحدة و«إسرائيل» عملتا خلال الأسبوع الماضي لممارسة ضغط جدي، وتحديداً على المملكة السعودية، وربما رأى الرئيس ترامب الفرصة مناسبة لتحذير السعودية من خلال تصريحاته المهينة حول بن سلمان، وتوجيه رسائل مباشرة لضرورة الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية. لكن المسألة تبدو أخطر من وجهة نظرهم، فإن تكتلاً كهذا، وتحديداً عند بدء الحديث حوله على العلن، لم يكن من المستبعد أن يزيد من حجم التقاطعات مع إيران، وخصوصاً أن الدور «الإسرائيلي» العدواني في المنطقة يدفع هذه الدول للتقارب الموضوعي، فالمشهد الحالي يضعنا أمام احتمالات كلّها سيئة بالنسبة للكيان، فإن تدمير إيران إن حصل، لن يعطي أفضلية مطلقة لـ «إسرائيل» بل سيسرع نشوء هذا التحالف بشكلٍ أسرع، وإن خروج إيران رابحة من هذه الجولة- وهو الأكثر ترجيحاً- يمكن أن يفتح الباب مجدداً لبناء تحالف إقليمي قادر على صياغة قواعد الأمن المشتركة، لا في الخليج وحده، بل في كامل منطقة غرب آسيا.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1271