الاتحاد الأوروبي يختنق... وقمة السبعة الكبار عاجزة عن تقديم حلول!
اجتمع وزراء خارجية مجموعة السبع (بريطانيا، كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان والولايات المتحدة)، إلى جانب ممثلي الاتحاد الأوروبي، على مدى يومين بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس، تحت وطأة التوتر الناتج عن الحربين في أوكرانيا وإيران. وكما هي الحال في اللقاءات التي يسودها تباين حاد في التوجهات، فشل الاجتماع في إصدار بيان ختامي يعكس استراتيجية مشتركة لهذه المرحلة الحساسة.
التحالف الذي لا يزال قائماً مؤسساتياً، لم يعد يشترك في أفق استراتيجي موحد، وباتت جهوده منصبّة على إدارة الخلافات الداخلية، ومحاولة التعايش مع تناقض الأولويات والمصالح الاقتصادية. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى توظيف حلفائها للحفاظ على مكانتها الإمبراطورية، لا يبدو أن الأوروبيين قادرون على تحمّل مزيد من الضغوط. فقبل أيام قليلة من الاجتماع، أعلن البنك المركزي الأوروبي، بحسب رويترز، أن توقعات التضخم لعام 2026 بلغت 2.6% وفق معطيات الربع الأول من العام، وعلى رأسها الحرب في إيران، وارتفاع أسعار النفط، مقارنة بـ1.9% في توقعات ديسمبر 2025. كما تشير السيناريوهات إلى احتمال وصول التضخم إلى 3.5% في حال تصعيد الحرب. ويأتي ذلك في ظل تضاعف أسعار النفط تقريباً منذ بداية العام، وارتفاع أسعار الغاز بنحو 60% منذ شباط الماضي. ويُعدّ الاتحاد الأوروبي الأكثر عرضة لتداعيات أزمات الطاقة الناتجة عن الحروب، نظراً لاعتماده البنيوي على استيرادها، وتمثل الطاقة عصب أي اقتصاد صناعي. فعلى مدى عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، ازدهرت الصناعة الأوروبية اعتماداً على طاقة رخيصة، كان نحو 40% منها يأتي من روسيا. إلا أن حرب أوكرانيا أضعفت هذا النموذج، ومع بدء العدوان الأمريكي «الإسرائيلي» على إيران، واستهداف منشآت الطاقة، وإغلاق مضيق هرمز، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه في موقع الأكثر تضرراً صناعياً، وهو الذي يستورد أكثر من 90% من نفطه ونحو 80% من غازه. إن تراكم هذه المخاطر بدأ يتحول إلى تهديد وجودي للاتحاد الأوروبي كقوة صناعية، حيث بدأت الشركات بالانتقال إلى دول ذات تكاليف إنتاج أقل، فيما ترتفع معدلات البطالة، ويتصاعد التوتر الاجتماعي، بما قد يهدد الاستقرار السياسي، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة. وقد شكّلت هذه المؤشرات أحد الدوافع الرئيسية لعقد هذا الاجتماع لقمة السبع.
وشدّد ممثلو الاتحاد الأوروبي على أن حرب أوكرانيا تمثل أولوية استراتيجية بالنسبة لهم، في حين اعتبروا أن الحرب على إيران هي «حرب اختيارية» للولايات المتحدة. وأوضحت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أن الحرب على إيران تضر بالمصالح الأوروبية بشكل مباشر، مؤكدةً أنه «لا يمكن التعامل مع حربَي أوكرانيا وإيران كصراعين منفصلين». كما أشارت إلى أن روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن إغلاق مضيق هرمز، ما يعزز قدرتها على تمويل الحرب في أوكرانيا، ويضعف الأوروبيين على الجبهة التي يرونها أولوية.
الاتحاد الأوروبي وروسيا
قد يتساءل المرء عن مصدر هذا العداء الأوروبي لروسيا، وما إذا كان من الممكن تبني نهج بديل قائم على التعاون؟ خاصة في ظل مواقف أمريكية تبدو أقل حدّة تجاه موسكو. في الواقع، ومنذ نشوء الهيمنة الأمريكية، وُضع «فيتو» غير معلن على مثل هذا التقارب. ويوضح بريجنسكي في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى» أن أوراسيا تمثل مركز الثقل الأعلى في النظام العالمي، وأن السيطرة عليها تحدد ميزان القوى الدولي. ومن هذا المنطلق، اعتبر أن أخطر سيناريو بالنسبة للولايات المتحدة هو نشوء تقارب بين أوروبا وروسيا، لما يحمله ذلك من جمع بين التكنولوجيا والصناعة الأوروبية والموارد والعمق الجغرافي الروسي، بما قد يفضي إلى قوة قادرة على تجاوز الهيمنة الأمريكية. لذلك، شكّل منع هذا التقارب أحد الأهداف الاستراتيجية المركزية للولايات المتحدة تاريخياً. وفي هذا السياق، جاء تفجير خط Nord Stream وتسعير الحرب في أوكرانيا، ليكرّسا واقعاً جديداً أمام أوروبا. وأصبح انتصارها في هذه الحرب، وفق هذا المنظور، الطريق الوحيد المسموح لها أمريكياً، لضمان موقع في نظام عالمي جديد يعاد تشكيله اليوم بالدم والنار. ومع ذلك، لم يكن انخراط أوروبا في المواجهة مع روسيا كافياً للأمريكي، حيث طالب ترامب حلفاءه بدعم الحرب على إيران، واعتبر رفضهم اختباراً للولاء فشلوا فيه، مما عمّق الشرخ داخل حلف الناتو.
في نظرية الحروب الحديثة، لم تعد الحروب تُفهم بوصفها مواجهة بين دولتين، بل كصراع بين تحالفات. وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة تخسر أجزاء متزايدة من شبكة تحالفاتها، نتيجة نهجها في إدارة الصراعات. ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجربة الحرب العالمية الثانية، حيث لم تكن هزيمة ألمانيا النازية نتيجة الخسائر العسكرية فحسب، بل نتيجة التمدد الاستراتيجي المفرط لعداواتها، إذ وجدت نفسها تقاتل الاتحاد السوفييتي شرقاً والحلفاء الغربيين غرباً، في آن واحد. واليوم، تضع الولايات المتحدة نفسها في مواجهة الصين، بينما تنخرط في صراع مع إيران، وتضغط في الوقت نفسه على حلفائها داخل الكتلة الغربية. فهل يتعمق هذا النمط؟ وهل يمكن أن يدفع ذلك أوروبا نحو التقارب مع الصين، في ظل تصاعد التوتر في الشارع الأوروبي من التدهور الاقتصادي؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271
ديما النجار