«إسرائيل» وقلق الوجود
{تمرّ «إسرائيل» بواحدة من أخطر مراحل وجودها، إن لم تكن أخطرها وآخرها على الإطلاق، وهي الآن بأكثر فترات ضعفها منذ صناعتها، وبدء الاحتلال الصهيوني في القرن الماضي، وذلك على الرغم من مظاهر «القوة العسكرية» المتمثلة فقط بـ: البطش والإجرام والتدمير والتخريب في كامل المنطقة، وبمختلف الوسائل والاشكال المباشرة والهجينة، إلا أنها ورغم كل هذا «الجنون» العسكري والاستخباراتي، ورغم حالة عدم الاستقرار كلها التي صنعتها في الإقليم، لم تحقق أيّ هدف من أهدافها، كما لم تحرز تقدماً واحداً يذكر... وإذا كان الحديث فيما مضى يقول: إن استمرار وجود «إسرائيل» بات موضوعاً «على طاولة البحث»، فإن إنهاء الكيان الصهيوني بات «على مسار التنفيذ».
فيما يلي سنذكر ونستعرض جزءاً من العناوين الأخيرة فقط التي تعطي مؤشرات تؤكد ما سبق، من الداخل «الإسرائيلي» نفسه:
بعد مرور شهر من بدء الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران، وطموحات الصهيوني بخروج «انتفاضة» ما من الشعب الإيراني على «النظام» وإسقاطه: خرج «الإسرائيليون» السبت 28 اذار بعدة مظاهرات بالآلاف في كل من تل أبيب وحيفا والقدس، معترضين على الحرب الجارية ومطالبين بإيقافها، ومناهضين لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته، واتهموه بإشعال الحروب أملاً بالتهرّب من محاكمات الفساد، تمّ قمعها بالضرب والاعتقالات.
بعد مرور قرابة عامين على اغتيال حسن نصر الله، وأحاديث «تدمير» والانتصار على المقاومة اللبنانية: عادت هذه المقاومة إلى نشاطها بشكل أقوى وأكثر أثراً من «حرب الإسناد» السابقة، ويكفي ذكر «مجازر دبابات الميركافا» التي تجري على الأرض، بإصابتها مباشرة بالعشرات، باعتراف وسائل إعلام غربية، وبتوثيق مصوّر من المقاومة اللبنانية... وذلك فضلاً عن استهداف عشرات الآليات الأخرى، والاشتباكات المباشرة بما فيها من المسافة صفر، وقتل وإصابة المئات من الجنود «الإسرائيليين»، وأثبتت المقاومة اللبنانية أن ما جرى خلال الفترة الماضية كان مناورة كبيرة أثبتت نجاحها فمن أفشل اتفاق إخلاء جنوب الليطاني كان «إسرائيل» باعتداءاتها المتكررة، وفشلت في نزع سلاح المقاومة في غزة، والتي بدورها في مرحلة هدوء مؤقت فقط.
بعد مرور قرابة عامين ونصف على 7 أكتوبر والحرب الغوغاء التي تلتها بكل جولاتها وساحاتها: يخرج رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير مصرحاً: إن الجيش «يتجه نحو الانهيار من الداخل» وإن قوات الاحتياط «لن تصمد» وإنه يرفع «10 أعلام حمراء» لتوضيح خطورة الوضع، مطالباً بإجراء تعديلات على قوانين التجنيد لتشمل «الحريديم» وتمدد فترة الخدمة الإلزامية، وتعديل قانون الاحتياط ليشمل شريحة أوسع، الأمر الذي بدوره يشكل ضغطاً أكبر على توازن المجتمع «الإسرائيلي» المنقسم على نفسه، ويدفعه للاعتراض والانفجار بشكل أكبر، وهو ما شكلت المظاهرات سابقة الذكر إحدى مفاعيلها الأولى.
بعد مرور قرابة أسبوعين فقط على فتح الجيش «الإسرائيلي» جبهة الشمال مع المقاومة اللبنانية: خرج عمدتا المستوطنتين «كريات شمونة» و«مرغليوت» بمقاطع مصوْرة، يقول الأول صارخاً: «هذا انتصار لحزب الله [...] هذه أول مرة تمحى بها مدينة في «إسرائيل» [...] 10 آلاف قاطن في كريات شمونة وتتوقع منهم، لشهر آخر أو لا أحد يعلم إلى متى، البقاء هنا؟ [...] هناك قصف في كل ثانية [...] ويخبروننا، إذا أخلينا المكان سيكون انتصاراً لحزب الله، حزب الله سيقول: إنه انتصر على أيّ حال، انتصارهم سيكون بعدم استمرار وجود أيّ مدينة في «دولة إسرائيل» ولديْ هنا 4700 منزل دون ملاجئ لها، أي انتصار هذا؟».
بينما خرج العمدة الثاني صارخاً وباكياً على الهواء: «كم جولة بعد؟ نحن نفعل كل ما بوسعنا هنا، ولكن ما من دولة تدعمنا، من أجل الانتصار نحتاج إلى دولة، لا يمكننا لوحدنا، لقد قضيتم على كريات شمونة، لقد قضيتم على مستوطنات الحدود، لقد قضيتم على كل شيء، ماذا تفعلون؟ فلتقولوا: إنكم لا تستطيعون التعامل مع الوضع، وتتركونا لنفعل ما نريد [يقصد النزوح]».
هؤلاء عمدتا مستوطنتين ضمن مقاطع مصوّرة فقط، وسط تضييق وتعتيم إعلامي «إسرائيلي» شديد على كل شيء.. ولكم تخيّل الصورة على الأرض.
تلك كانت بضع مؤشرات ميدانية من المئات غيرها، وذلك فضلاً عن الخسارات الاقتصادية الكبرى وروتين الحياة اليومي في الملاجئ، بما يشلّ الاقتصاد «الإسرائيلي».. ما سبق ذكره قد لا يبدو بالحدث الجلل بالنسبة للقارئ العربي، وشعوبنا التي اعتادت خوض الحروب والاقتتال أياً يكن اسمها، لكن ما يجري في «إسرائيل» اليوم يعد سابقة لم تحدث، ويدمر أسس مجتمع الاحتلال الهشّ كلياً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271