جبهة جديدة للفوضى... ما وراء الحرب بين أفغانستان وباكستان
تعد «الحرب المفتوحة» التي انفجرت بين كابُل وإسلام آباد في 26 شباط 2026 -ولا تزال تداعياتها على الحدود مستمرة حتى اليوم - حلقة متقدمة في استراتيجية الفوضى الغربية الموجّهة، حيث جرى تفعيل جبهة آسيا الوسطى كصاعق تفجير جيوسياسي لتطويق المنطقة بحزام من النيران. ورغم استهداف هذا المخطط شلّ قدرة الأطراف الإقليمية المحيطة ومنعها من المناورة، إلا أن الواقع الميداني كشف عن تماسك الجبهات المستهدفة وامتصاصها للصدمة، ليتحول رهان التشتيت الأمريكي إلى استنزاف مباشر للجيران المنخرطين في أتون المواجهة.
إن عملية «غضب الحق» التي أطلقتها إسلام آباد، وما تبعها من رد أفغاني عنيف، أبعد من مجرد تصعيد عسكري ثنائي، ويمكن القول إنها كانت توقيتاً استراتيجياً منسقاً نُفِّذ بضوء أخضر أمريكي لإشعال حريق حدودي لا يزال مستمراً حتى اللحظة. تشير تحليلات معهد «ليكسينغتون» الأمريكي للأمن القومي إلى أن فتح جبهة حرب شاملة بين كابل وإسلام آباد قبل يومين فقط من بدء العمليات الجوية ضد طهران كان يهدف بوضوح إلى تأمين «الخاصرة الشرقية» للعمليات الأمريكية - «الإسرائيلية». ووفقاً للتحليل، فإن المخطط الغربي كان يراهن على أن هذا الصدام سيؤدي حتماً إلى «تشتيت الانتباه الدفاعي الإيراني وشلّ قدرة طهران على المناورة عبر إغراق حدودها الشرقية بفوضى لا يمكن السيطرة عليها». ورغم أن المنطقة لا تزال تعيش أتون هذه الحرب المفتوحة التي تستنزف الجميع، إلا أن رهان واشنطن على وصول خصومها لحالة «الشلل التام» اصطدم بوقائع ميدانية مغايرة، حيث استمرت المواجهة دون أن تحقق للطرف الأمريكي غايته النهائية في تفكيك الجبهات المقابلة.
تحريض بالإنابة
تجاوز الدعم الغربي لإشعال هذه الجبهة حدود الضوء الأخضر السياسي الشكلي، الذي برز في الموقف الأمريكي الداعم لـ«حق باكستان في الدفاع عن نفسها»، من دون دعوة واضحة لوقف النار، إلى تحريض عملياتي مباشر للعمل على تحويل النزاع إلى استنزاف طويل الأمد. إذ تشير دراسات من مركز «ستراتفور -Stratfor» الأمريكي والملقب بـ «المخابرات الظليّة» إلى أن واشنطن اعتمدت في عام 2026 استراتيجية «التحريض بالإنابة»، حيث زودت الجانب الباكستاني بإحداثيات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية لضرب أهداف استراتيجية في العمق الأفغاني، وهو ما يضمن عملياً استمرارية الرد والرد المضاد.
وفي هذا السياق، يرى «معهد أبحاث الأمن القومي- INSS» في «تل أبيب» أن بقاء الحدود الأفغانية الباكستانية مشتعلة يمثل «مصلحة استراتيجية عليا»، حيث يراهن الكيان على أن هذا الصراع سيعمل كـ «مغناطيس لاستنزاف الموارد البشرية والعسكرية التي كان يمكن أن تشكل عمقاً استراتيجياً لإيران». الهدف النهائي لهذه المقامرة كان خلق «سيولة أمنية دائمة» تمنع قيام أي تحالفات إقليمية صلبة، وتترك المنطقة غارقة في صراعاتها البينية بعيداً عن التأثير في مسار المواجهة الكبرى.
تعطيل الشرايين الآسيوية واحتواء القوى الصاعدة
من وجهة نظر أخرى، تستهدف مشاريع الفوضى الغربية ضرب الشرايين الحيوية للمشروع الأوراسي الصاعد. محولةً جغرافية المنطقة من جسر ربط تجاري عالمي يربط الصين بالمحيط الهندي إلى بؤرة توتر دائم تعيق تدفق الاستثمارات. واشنطن تدرك أن استقرار هذه الجبهة يعني نجاح «الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني – CPEC» وتوطيد نفوذ القوى الإقليمية، لذا جاءت هندسة هذه الحرب بما يضمن بقاء المنطقة في حالة «عوز أمني» يعيق طموحاتها الاقتصادية. وبدلاً من أن يكون هذا النطاق الجغرافي منطلقاً للسيادة الاقتصادية المشتركة، تريد واشنطن تحويله إلى ساحة استنزاف مفتوحة تُجهض أي تقارب صلب محتمل، وتُبقي الهيمنة الغربية كـلاعب وحيد يتحكم بـ «الاستقرار» في قلب آسيا.
وفي نهاية المطاف، إن الهدف النهائي للقوى الغربية والحليف الصهيوني ليس انتصار طرف على آخر، بل إبقاء الجميع في حالة إنهاك متبادل ينهي حلم السيادة الإقليمية، ويضمن بقاء الهيمنة الغربية كقدر محتوم على أنقاض الدول المنهكة والجغرافيا الممزقة. واستمرار الانزلاق في هذه المواجهة هو تقديم مجاني لجغرافيا المنطقة كقربان لتأمين المصالح الأمريكية وحماية الخاصرة الأمنية للكيان الصهيوني. ولن يتوقف منطق الاستنزاف قبل إدراك العواصم الإقليمية أن الرصاص المتبادل ليس إلا صدىً لغرف العمليات السوداء في واشنطن، وأن المخرج الوحيد يكمن في تغليب الأمن القومي المشترك، على أوهام الحسم العسكري.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1268
حلا الحايك