الحرب بدأت… استهدافُ إيران بوابة لإعادة تشكيل غرب آسيا
بعد أسابيع من التحضير شنّت القوات «الإسرائيلية» والأمريكية في صباح يوم السبت 28 شباط عدواناً منسّقاً وواسع النطاق على إيران، وذلك بالتزامن مع انعقاد جولات مفاوضات بين واشنطن وطهران، لتشهد منطقة غرب آسيا في الساعات الماضية واحدة من أعنف المواجهات وأوسعها نطاقاً منذ عقود، فما هي أهداف هذه الحرب؟ وكيف يمكن أن يتطور المشهد، خاصة بعد اغتيال المرشد الإيراني الأعلى، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تداعيات؟
أثبت الولايات المتحدة مجدداً، أنّها طرف غير جدير بالثقة، بعد أن قامت للمرة الثانية بتوجيه ضربة عسكرية أثناء عقد المفاوضات، فبحسب تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي، قال: إن اجتماعاً ناجحاً كان قد عُقد في جنيف يوم الخميس بمشاركة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وكانت الفرق الفنية تتجهز لمتابعة المفاوضات، قبل أن يبدأ العدوان العسكري في صباح يوم السبت، لكن إيران هذه المرة كانت تتحضر لكل السيناريوهات المتوقعة، وبدأت هجومها المضاد بعد أقل من ساعتين، واستهدفت 14 قاعدة أمريكية في 7 دول مختلفة، بالإضافة إلى قصف عنيف متواصل لا يتوقف على «إسرائيل» طال مواقع حيوية وعسكرية فيها.
إيران بعد الاغتيالات
الضربات الأمريكية-«الإسرائيلية» الأولى كانت مؤثرة إذ استهدفت اجتماعات للقادة الإيرانيين، وأسفرت عن مقتل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، بالإضافة إلى رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية عبد الرحيم موسوي، ووزير الدفاع الإيراني عزيز ناصر زاده، وقائد القوات البرية في الحرس الثوري الإيراني محمد باكبور، ومستشار المرشد علي شمخاني، ويبدو أن هذه الاغتيالات كانت نتيجة للضربات الافتتاحية ما دفع إيران لتنفيذ تهديدها باستهداف كل القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة إلى جانب «إسرائيل»، ذلك مع توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يبدو أنّه تم إغلاقه من قبل طهران بعد ساعات قليلة من بدء العدوان. ومع ذلك تظهر تصريحات المسؤولين الإيرانيين أن البلاد ورغم كونها دخلت في مرحلة انتقالية بحسب الدستور، كانت مستعدة لسيناريوهات مشابهة، ويظهر أن الرد الإيراني مستمر لا بل سيتوسع ويزداد شدّة، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحذير طهران من الرد على الضربات، ما يعني أننا لا نزال في بداية المعركة، التي يمكن أن تسمر أياماً، أو أسابيع بحسب تقديرات المحللين.
إيران ليست الهدف النهائي!
إن منطقة غرب آسيا تدخل مرحلة مفصلية حقيقية، فالمسألة في الواقع لا ترتبط بإيران، بل نحن بحاجة لنسأل السؤال الأهم: ما الذي دفع واشنطن وتل أبيب إلى هذه المعركة حقاً؟ وعندما نجيب عن هذا السؤال يمكن لنا أن ندرك حجم خطورة ما يجري.
في البداية، كانت واشنطن و«إسرائيل» قد بدأت حرباً بالفعل قبل أشهر، واستمرت 12 يوم ويبدو أن الظروف الميدانية كانت صعبة إلى تلك الدرجة التي رأت واشنطن وتل أبيب أن وقف الحرب الآن هو حاجة ضرورية، لكن نهاية الحرب لم تُلغِ أو تخفف من الخطاب العدواني تجاه طهران، وكانت مسألة تجدد الحرب مطروحة وحتمية، والأخطر من ذلك، أن الرسالة بدت مفهومة في طهران، ولم يكن من الصعب إدراك أنهم أمام خطر وجودي حقيقي، وهو ما يفسر اليوم طبيعة وحجم الرد الإيراني، لكن السؤال يظل: ما هو المُلحّ بالنسبة لواشنطن و«إسرائيل» لبدء هذه الحرب، على الرغم من أن الخبراء العسكريين يدركون أنها مخاطرة غير محسوبة!
إن طبيعة التغيرات التي يعيشها العالم عميقة وواسعة التأثير، وهو ما تدركه واشنطن وتل أبيب جيداً، ولأن هذه التغيرات الجارية هي نتيجة موضوعية لتوازنات دولية متغيرة، فكان من الضروري إيجاد بيئة تسمح «لإسرائيل» بالبقاء، لكن هذه المهمة لم تكن يسيرة، ولم تتحقق، وظهر وضوحاً منذ حرب غزّة أن «إسرائيل» ترى تهديداً وجودياً، وإن كان هذا لا يبدو ظاهراً أمام الناس، إلاّ أنّه موجود بالفعل، فمن جهة يبدو بوضوح أن قدرات الولايات المتحدة محدودة أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وأنّها مضطرة لتوزيع هذه الموارد المحدودة على جبهات أخرى، وبدلاً من بناء شبكة متينة تجمع بين «إسرائيل» ودول المنطقة، حدث العكس تماماً، فتعثرت الاتفاقات الإبراهيمية، ولم يعد من الممكن التفكير بسيناريو كهذا، وهنا بدأ يظهر وضوحاً أن بقاء «إسرائيل» لم يعد مضموناً، ولذلك كان مستوى العدوانية يرتفع بشكل مضطرد، وبدأ الخطاب الرسمي «الإسرائيلي» يأخذ منحى بعيداً كل البعد عن الدبلوماسية، فليس هناك أي حديث عن دولة فلسطينية، بل ضمٌ للضفة وتصفية للقضية، وبات حديث المسؤولين الصهاينة عن «حقّهم» في أراضي المنطقة مسألة اعتيادية، دائمة التكرار، وأخذوا ينخرطون في ملفات متعدد تمثل تهديداً حقيقياً لمجموعة من دول المنطقة، من مصر إلى تركيا والسعودية وإيران وغيرها، ولم تعد المسألة مجرّد تهديد، بل هناك نية للاستيلاء على أراضي دول المنطقة، والعمل على تقسيمها، عبر رفع عنوان «الشرق الأوسط الجديد» و«إسرائيل الكبرى».
بقاء «إسرائيل» على المحك...
من هنا ترى «إسرائيل» أن بقاءها يعتمد إلى حدٍ بعيد على تغيير كل خريطة المنطقة، ويثبتها كقوة إقليمية أساسية ووحيدة إن أمكن، وإن ذلك لا يمكن أن يتم على الإطلاق بوجود إيران موحدة، لكنّ ذلك لا يعني أن إيران هي الهدف النهائي، بل هي في الواقع الحاجز الأول الذي يمنع «إسرائيل» والولايات المتحدة الأمريكية من إعادة رسم «الشرق الاوسط»، لذلك فالعمل على «إسقاط إيران» هو مرحلة من خطة شاملة لا تستثني السعودية وتركيا ومصر، وعلى الرغم من أن نتائج هذه الحرب ليست محسومة، ولا يمكن التنبؤ بها، إلاً أنّها فيما يبدو «الأمل» الأخير بالنسبة «لإسرائيل» ومن يدعمها من صهاينة في واشنطن، حتى وإن كان ذلك يعني استنزاف قدرات الولايات المتحدة بالمعنى العسكري، كما لو أن المطلوب منهم هو تقديم آخر صاروخ يملكونه ثم يواجهون مصيرهم المحتوم.
إن هذا المخطط لم يعد مجرّد أفكار مبعثرة هنا وهناك، بل هو في الواقع
خطة قيد التنفيذ، لكن نجاحها يظل مسألة ثانية تماماً، ففي العالم هناك مشاريع أخرى أيضاً، فضلاً عن أن استهداف دول بحجم إيران هو بحد ذاته مخاطرة كبيرة، فالشعب الإيراني وغالبية قواه السياسية لن يقبلوا بإنهاء وجودهم، وتفتيت دولتهم وتقسيمها، سوف يخوضون معركة البقاء بكل ما يملكون، حتى وإن جرى استهداف واغتيال شخصيات بارزة في النظام القائم، فذلك لا يعني أن الإيرانيين سيستقبلون المعتدين بالورود، بل سيترسخ موقفهم المعادي للولايات المتحدة و«إسرائيل»، وإن استهداف إيران بهذا الشكل، هو أيضاً استهداف لروسيا والصين، خصوصاً أن موقع إيران هو عنصر أساسي في مشاريع استراتيجية روسية وصينية، مثل: طريق «شمال جنوب» والحزام والطريق.
إن العدوان على إيران هو بمثابة اختبار كبير للمنطقة، فإيران التي بدأت بضرب المصالح الأمريكية في الإقليم تلقت موجات من الاستنكار الدبلوماسي والإعلامي، لكن وجود القواعد الأمريكي في المنطقة وتحديداً في الخليج بات يتحوّل تدريجياً إلى عبء على تلك الدول بدلاً من الدور «الحمائي» المفترض، وبالرغم مما يرافق ذلك من حالة اضطراب كبيرة لا بد أن يُخرج منطقة غرب آسيا موحدة أكثر مما كانت عليه سابقاً، فنحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تنجح «إسرائيل» في تفتيت كامل الإقليم والسيطرة عليه وإما أن توحد شعوب المنطقة طاقتها وتفرض مصالحها عبر ضرب مشروع «إسرائيل» التوسعي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1267