زيارة مودي للكيان الصهيوني... ودلالات التقارب الهندي-«الإسرائيلي»
حلا الحايك حلا الحايك

زيارة مودي للكيان الصهيوني... ودلالات التقارب الهندي-«الإسرائيلي»

تضع زيارة مودي الأخيرة للكيان الصهيوني الثقل الهندي في قلب تجاذبات غرب آسيا، ضمن مسعى «إسرائيلي» واضح لاستمالة نيودلهي نحو انخراط يتجاوز حدود التبادل التجاري. فخلف مشهد الاحتفاء الاستثنائي، تبرز محاولة لتوظيف القوة الهندية الصاعدة كموازن لمشاريع إقليمية لم تعد مضمونة النتائج وظرف دولي يتغيّر بسرعة.

بعد 9 سنوات من زيارته الأولى عام 2017، ووسط عزلة دولية يعيشها الكيان الصهيوني إثر استمرار الحرب في قطاع غزة، وإدانات دولية واسعة لمحاولات توسيع السيطرة «الإسرائيلية» في الضفة الغربية المحتلة. وعلى الرغم من انتقادات داخلية وشعبية واسعة طالتها. اختتم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في 26 شباط 2026 زيارته التي استمرت ليومين إلى الأراضي المحتلة. حيث استُقبل بحفاوة بالغة من الجانب «الإسرائيلي» وأصبح أول زعيم هندي يلقي كلمة أمام «الكنيست» خلال جلسة خاصة عقدت على شرفه، معرباً عما وصفه بـ«وقوف الهند بحزم» إلى جانب «إسرائيل» في «الأوقات الصعبة» حسب تعبيره في إشارة إلى أحداث السابع من أكتوبر 2023.

أسفرت الزيارة عن توقيع نحو 16 مذكرة تفاهم تُقدر قيمتها بـ 10 مليارات دولار، شملت الزراعة المتقدمة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتعاون الدفاعي، وتوسيع فرص العمالة الهندية في «إسرائيل» لتعويض آلاف الفلسطينيين الذين مُنعوا من العمل، وهو ما وصفته النقابات الهندية بـ «التواطؤ الأخلاقي في سياسة الإبادة». كما أعلن الجانبان عن الارتقاء بالعلاقة إلى «شراكة استراتيجية خاصة» وطُرحت مبادرات من بينها مشروع ممر الهند- الشرق الأوسط- أوروبا «IMEC»، مشروع النقل المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط.

إلا أن الواقعي من هذه الاتفاقيات لا يزال محدوداً، إذ يُنظر إلى بعض بنود التعاون التقني والدفاعي على أنها استمرار لمسار طويل من العلاقات التجارية العسكرية بين البلدين، خاصة في بيع أنظمة الدفاع وتكنولوجيا الأمن، ولم تتبلور بعد في مشاريع تنفيذية كاملة. أما البنود المتعلقة بالتجارة والتحول نحو اتفاقية تجارة حرة، فهي قيد النقاش ولم تُنجز بعد، مما يعني أن تنفيذها سيحتاج وقتاً أطول. وعليه، تبقى التفاهمات الأكبر حجماً في مراحل مبكرة من التفاوض والتنفيذ وقابلة لإعادة التقييم اللاحق.


لماذا التقارب الآن؟


لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال دون رؤية أوسع، تستند إلى التغيير الحاصل في ميزان القوى الدولي وانعكاسه على العلاقات الإقليمية، بالضد من مصالح الكيان ومن خلفه واشنطن، وعلى وجه الخصوص دول ذات وزن أساسي في المنطقة كالسعودية، تركيا، إيران، وباكستان، ومصر، ومثالاً: التقارب السعودي– الإيراني، وكذلك اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان.
لسنوات، راهن الأمريكي ومعه الكيان على ما سُمي بـمشروع «الناتو العربي» الذي ضم في تصوّره دولاً، مثل: السعودية والإمارات والبحرين ومصر والأردن، في إطار جبهة موحّدة ضد إيران. غير أن هذا المشروع تعثّر بفعل التغييرات الإقليمية المذكورة. هنا يبرز الخيار الهندي كخيار بديل تجلّى بالطرح الذي عبّر عنه نتنياهو قبل الزيارة، إذ أشار إلى رؤية لإقامة ما وصفه بـ «تحالف سداسي» يضم الهند ودولاً عربية وأفريقية، اليونان وقبرص، ودولاً آسيوية أخرى. في مواجهة ما وصفه بـ «المحور الشيعي المتطرف» و«المحور السنّي الناشئ» في إشارة للقوى الإقليمية التي ترفض الهيمنة «الإسرائيلية». بالتالي، تعمل «إسرائيل» على استبدال فشلها في بناء تحالف «عربي-صهيوني»، ببناء تحالف «هندي-صهيوني» خارج الجغرافيا العربية ويطوّق المنطقة من الخارج.


لماذا تندفع الهند؟


سعي نيودلهي لهذا التقارب يرتبط بالتحول الذي شهدته سياستها تجاه القضية الفلسطينية خلال حكم مودي. فالهند التي عُرفت تاريخياً بدعمها الصريح لحقوق الفلسطينيين ضمن إرث عدم الانحياز، أبقت رسمياً على خطاب «حل الدولتين»، لكنها خفّفت عملياً من مركزية فلسطين في سياستها الخارجية، ورفعت مستوى الشراكة مع «إسرائيل» إلى موقع معلن واستراتيجي منذ 2014 بعد أن كانت تُدار بحذر نسبي. يتقاطع هذا التحول مع النزعة القومية الصاعدة لدى حزب بهاراتيا جاناتا، التي تجد صدى أيديولوجياً في قومية الدولة لدى الكيان. وفي الخلفية يبقى عامل باكستان أساساً لدى الهند، إذ تتحرك بحساسية عالية تجاه أي محور يمكن أن يعزز موقع إسلام آباد، وتسعى إلى موازنته أو تطويقه عبر توسيع شبكاتها الأمنية، أو إنهاء دور باكستان إن أمكن.

في نهاية المطاف، يبدو دفع الهند نحو تحالف «عضوي» مع الكيان الصهيوني انحرافاً استراتيجياً لا يضر بمكانتها التاريخية فحسب، بل يهدد مصالحها العميقة، ففي الوقت الذي يسعى فيه الجنوب العالمي لبناء قطب مستقل بعيداً عن الهيمنة الغربية، يأتي رهان مودي ليعطل التضامن بين القوى الصاعدة، ويقحم الهند في صراعات تستنزف طاقتها. مقامرة كهذه، إن استكملت، لن تدفع ثمنها حكومة مودي فحسب، بل ستدفع ثمنها مكانة الهند الدولية لجيل كامل. فهل ستستمر الهند في فعل ما يضر بمصالحها الاستراتيجية في مقابل رهان خطر في ظل عالم متغير؟ الأيام القادمة وتفاعلات الشارع الهندي هي التي ستجيب...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1267