إبستين… قضية جنائية أم أداة تحكم وابتزاز سياسي!

بعد أن رفعت وزارة العدل الأمريكية السرية عن ملايين الوثائق والصور المرتبطة بقضية المجرم وعميل الموساد «الإسرائيلي» جيفري إبستين، والتي تعد جزءاً من أرشيفٍ أكبر لا يزال محجوباً، ظهر بشكلٍ واضح أن هذه القضية ليست عادية، وليست مجرد محاولة لتشتيت انتباه الجمهور بسبب فضائح مالية وجنسية وسياسية، بل تعكس في الواقع حجم الأزمة الداخلية في الولايات المتحدة، ومستوى الصراع الداخلي، بل وأيضاً الطبيعة المضطربة لعلاقات الولايات المتحدة مع العالم الخارجي، وتحديداً مع القارة الأوروبية.

إن نشر هذه الوثائق تحّول إلى قنبلة إعلامية هائلة على المستوى العالمي، إذ تمّت أكثر من 15 مليون عملية بحث حول الموضوع على محرك غوغل خلال سبعة أيام فقط! وظلّت قضية الملفات المنشورة في قائمة المواضيع الأكثر رواجاً على وسائل التواصل الاجتماعي لمدة 4 أيام متتالية في الولايات المتحدة و12 دولة أوروبية، وهو في الحقيقة اهتمام متوقع، خصوصاً أن الملفات تكشف فعلياً عن فضائح وجرائم وعلاقات سياسية مشبوهة بين أكثر من 150 شخصية بارزة في الولايات المتحدة وأوروبا وحدها.


كيف انتقلت الوثائق من السرية إلى العلن؟


بعد توجيه اتهامات لـإبستين عام 2008 ظهر وضوحاً، أن هناك قوى خفية تتدخل في هذه القضية، فبدلاً من محاكمته على أساس التهم الموجهّة إليه، والتي تتضمن اتجاراً واسع النطاق وإدارة شبكة إجرامية دولية، تم توجيه تهمة منفردة بالتحريض على البغاء، وسجن على إثرها داخل الولاية لمدة 13 شهراً بظروف مريحة، بل إن إقرار إبستين بالتهم الموجهة إليه كان بموجب صفقة قانونية معروفة باسم «اتفاقية عدم الملاحقة (NPA) لعام 2008» التي شملت إلى جانب محاكمته على مستوى الولاية، بنداً يؤكد حصوله على حصانة من الملاحقة الجنائية الفيدرالية ليس فقط لإبستين، بل وأيضاً لأي متواطئين محتملين معه!
وبموجب هذه الاتفاقية، ظلّت الوثائق محجوبة، وضمنت حماية الشخصيات الوارد ذكرهم فيها. لاحقاً، أدت سلسلة من الدعاوى القضائية والتحركات داخل الولايات المتحدة إلى إعادة فتح القضية، واعتبرت اتفاقية عدم الملاحقة انتهاكاً جوهرياً لقانون حقوق الضحايا، ما أدى إلى إلقاء القبض على إبستين في 2018 قبل أن تعلن وفاته منتحراً في سجنه قبيل محاكمته!
إن مجموعة من الضغوط التي ترتبط بطبيعة الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة كانت تضع تركيزاً كبيراً على هذه القضية، ما أدى في نهاية المطاف إلى أن يوقع الرئيس دونالد ترامب عام 2025 على قانون شفافية ملفات إبستين التي نشرت بموجبه الوثائق الحالية.
أضرار تطال منظومة الحكم الأمريكية بأكملها!
إن هذه المقدمة التي تعرض بإيجازٍ شديد سياق القصة، هي مسألة ضرورية لفهم طبيعة الخلاف داخل الولايات المتحدة حول هذه المسألة، ففعلياً تعتبر هذه الوثائق بمثابة كنز ثمين للابتزاز السياسي وإدارة حملات تشويه لشخصيات بارزة داخل منظومة الحكم الأمريكية، بل إن ظهور الجزء الأول من الوثائق كان بمثابة حرب داخلية مفتوحة، فما يمكن رصده من خلالها هو أن مستوى تورط المنظومة الأمريكية كلها كبير جداً، ما يعني خسارة للجميع، لكن نشرها في هذا الوقت بالتحديد يمكن أن يضيف أسلحة جديدة في المعركة القائمة، مع ضرورة الإشارة إلى أن إدارة الرئيس ترامب حالياً- والتي كان يبدو أنّها المستهدفة من المطالبات بنشر هذه الوثائق- استطاعت عبر إجراءات بيروقراطية، وفساد واضح، أن تتلاعب بما تم نشره من الوثائق، فرفعُ السرية الأخير شمل 3 ملايين وثيقة بالإضافة إلى 180,000 صورة و2,000 فيديو، ويظهر أن هذا الرقم يمثل نصف حجم الوثائق التي أقرت وزارة العدل وجودها! بل إن الوثائق نفسها التي تم نشرها كانت عرضة لـ 10,000 تدخل بهدف حجب أسماء أو معلومات أو وجوه أشخاص، ما يظهر أن إدارة ترامب تحكمت إلى حد كبير بطبيعة المعلومات التي جرى نشرها، وأنّها ربما تكون الأقل تضرراً ضمن عملية النشر الأخيرة. دون أن يعني ذلك براءة ترامب، أو شخصيات كبيرة في إدارته من أيّ شبهات.


أضرار أوروبا كبيرة أكثر مما يبدو!


ما لا يجري الحديث حوله كثيراً، هو أثر هذه التسريبات على دول أخرى، وخاصة أوروبا، التي تبدو مناعة بناها السياسية تجاه هذا النوع من القضايا أقل من الولايات المتحدة، التي شهدت أحداثاً مشابهة سابقاً، وبات نفوذ السياسيين في وسائل الإعلام وغيرها من مجالات التلاعب قادر في كثير من الأحيان على تقليل الآثار الناجمة عن هذا النشر، بالمقارنة مع أوروبا التي بدأت تشهد استقالات في عدد من البلدان.
فمثلاً، ظهر في الوثائق أن الأمير أندرو، دوق مدينة يورك البريطانية، وشقيق الملك تشارلز الثالث، وابن الملكة إليزابيث الثانية متورط في عدد كبير من القضايا المرتبطة في ملف إبستين، بل إن جزءاً من الوثائق يشير إلى أن بعض الأفعال المشينة كانت تجري في البلاط الملكي في بريطانيا، بالإضافة إلى وثائق مرتبطة بسفير بريطانيا لدى واشنطن بيتر ماندلسون الذي ظهر أنه كان على علاقة وثيقة مع إبستين، ويجري التحقيق في تهمة إساءة استخدام المنصب العام، والتي امتدت بالفعل لتصبح أزمة تضرب حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر الذي كان مضطراً لتقديم اعتذار علني لضحايا إبستين، واعترف بأنه أخطأ عندما وثق بتصريحات بيتر ماندلسون وعيّنه سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة. وذلك إثر مطالبات لستارمر بالاستقالة من بعض النواب.
أما حصة النرويج من هذه الوثائق، فكانت كبيرة أيضاً، وطالت عدداً من الشخصيات البارزة في المشهد السياسي والدبلوماسي، إذ كشفت الملفات أن إبستين خصص في وصيته قبل وفاته مبلغاً قدره 10 ملايين دولار لأبناء الدبلوماسيين تيرجي رود-لارسن ومونا جول، وذلك لقاء خدمات قدّماها أثناء عملهما على اتفاقيات أوسلو بين «إسرائيل» ومنظمة التحرير الفلسطينية، ما فتح قضية فساد كبرى لم تكن معروفة سابقاً، وخصوصاً مع العلم بعمل إبستين مع الموساد، ذلك إلى جانب وثائق ترتبط بتوربيورن جاغلاند رئيس الوزراء النرويجي الأسبق، والأمين العام السابق لمجلس أوروبا، ما دفع الحكومة في النرويج لطلب رفع الحصانة عن جاغلاند لمحاكمته. ولم تنحصر حصة النرويج في هذه الملفات، بل طالت وثائق أخرى كلّاً من بورغ برينده رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) والأميرة ميت ماريت قرينة ولي عهد النرويج.
في فرنسا أيضاً ظهر تورط وزير الثقافة الأسبق جاك لانغ وابنته كارولين لانغ، والذي كان يشغل منصب مدير معهد العالم العربي منذ ما يقارب 13 عاماً مضى، وتلقى مع ابنته أموالاً من إبستين.

إن بقاء 3 ملايين وثيقة محجوبة، مع إخفاء عدد كبير من الأسماء والشخصيات، يعني أننا أمام حالة ابتزاز كبرى، قادرة على التأثير بسلوك أشخاص كبار، وأصحاب نفوذ واسع في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من بقاع العالم، ما يمكن أن يتحوّل إلى أداة للتحكم بسلوك هؤلاء ومواقفهم باتجاهات محددة، أو ببساطة تمهيداً لإزالتهم عن مسرح العمل السياسي، ويظهر بوضوح أن أثر هذه الوثائق على البنى التقليدية في أوروبا سيكون كبيراً، ما يمكن أن يتحوّل سريعاً إلى سلاح بيد تيارات جديدة تحاول السيطرة على الساحة السياسية هناك. وأما في الولايات المتحدة، فالصراع وصل بالفعل إلى مستوى غير مسبوق، وإن كانت الآثار الملموسة لم تبدأ بعد، إلا أنّها ستكون أكبر وأشد مما نشهده في أوروبا، وستحتاج المسألة قليلاً من الوقت حتى يظهر بوضوح من هي الأطراف التي ستستفيد من هذا كله، مع العلم أن جميع الأطراف خاسرون بشكلٍ أو آخر، وأن هذه القضية ستتحول سريعاً إلى عامل دافع لتغيير البنى القائمة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1264