العراق: عقدة المالكي وسؤال السيادة
ملاذ سعد ملاذ سعد

العراق: عقدة المالكي وسؤال السيادة

دخل العراق مرحلة ما بعد الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني 2025 وهو مثقل بتوازنات داخلية دقيقة، وضغوط إقليمية ودولية متشابكة، ومع إعلان «الإطار التنسيقي» ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة الجديدة، بدا المشهد وكأنه يتجه إلى تسوية تقليدية، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل مباشر وعلني، رافضاً هذا الترشيح، وواصفاً إياه بأنه «خيار سيئ للغاية»، ومهدداً بوقف الدعم الأمريكي للعراق في حال المضي به.

هذا التدخل لم يكن تفصيلاً عابراً، بل شكّل منعطفاً سياسياً أعاد خلط الأوراق، فواشنطن لم تكتفِ بإيصال رسائل دبلوماسية عبر القنوات التقليدية، بل وضعت «فيتو» علنياً على شخصية مرشحة لرئاسة حكومة يفترض أنها نتاج استحقاق دستوري داخلي، والأخطر أن هذا الموقف الأمريكي لم يُواجَه بإجماع وطني رافض، بل وجد في الداخل قوى سارعت إلى رفع نبرة اعتراضها على المالكي بعد إعلان ترامب موقفه، بما يعكس حجم الوزن الذي ما تزال بعض الأطراف العراقية تمنحه للموقف الأمريكي في تحديد مسارات السياسة الوطنية.

في العمق، لا يدور الصراع حول شخص نوري المالكي بقدر ما يتمحور حول مسألتين مترابطتين: إخراج القوات العسكرية الأمريكية من العراق، وحصر السلاح بيد الدولة، فواشنطن تنظر إلى أي حكومة عراقية من زاوية مدى استعدادها لضبط الفصائل المسلحة وتقليص «النفوذ الإيراني» من وجهة نظرها، بينما ترى القوى العراقية أن بقاء القوات الأمريكية هو السبب الأساس لاستمرار ظاهرة السلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية التقليدية منذ عام 2003.
لتأتي تصريحات المالكي حول «حصر السلاح بيد الدولة» ووجود «جيش واحد تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة» لتفسّر في اتجاهين متناقضين: في واشنطن وبعض العواصم الإقليمية قُرئت كإشارة طمأنة، بينما داخل «الإطار التنسيقي» أثارت حفيظة قوى اعتبرت أن أي مقاربة لملف «الحشد الشعبي» تمسّ بتوازنات ما بعد «الحرب على الإرهاب»، وهنا يتكشف جوهر الأزمة: هل يُمكن فعلاً حصر السلاح بيد الدولة في ظل استمرار وجود قوات أجنبية على الأرض؟ أم أن معالجة الظاهرة تبدأ بإزالة أسبابها السياسية والأمنية؟

إن المصلحة العراقية الحقيقية لا تُختزل في إرضاء هذه العاصمة أو تلك، بل تنطلق من تثبيت سيادة القرار الوطني، وهذه السيادة تبدأ عملياً بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي الذي يشكّل عنواناً دائماً للتجاذب الداخلي والإقليمي على حد سواء، ويغذي انقساماً سياسياً وأمنياً مستمراً... إخراج القوات الأمريكية، ضمن مسار تفاوضي واضح، وجدول زمني محدد، من شأنه أن يفتح الباب أمام إعادة هيكلة المنظومة الأمنية على أسس وطنية خالصة، ويُمهّد فعلياً لدمج مختلف التشكيلات ضمن جيش موحد يخضع لسلطة الدولة وحدها، ولمصلحة العراق والعراقيين على العموم.
أما استمرار الارتهان للضغوط الخارجية، تحت عنوان تجنب العقوبات، أو الحفاظ على الدعم وما شابه، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، وإبقاء العراق ساحة صراع.. وبين «فيتو» واشنطن ومباركات الخارج، يبقى السؤال الجوهري: إلى متى سيبقى تشكيل حكومته رهناً بموازين القوى خارج حدوده؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265