السعودية وتركيا ومصر... تقارب إجباري
في شباط 2026، بدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جولته الخارجية الأولى لهذا العام بزيارة استراتيجية إلى الرياض ثم القاهرة. الجولة التي جاءت تتويجاً لتحول جذري في العلاقات بين ثلاث قوى إقليمية أساسية، تركيا والسعودية ومصر، كانت قبل سنوات قليلة على شفا مواجهة مباشرة. اليوم، تجتمع هذه الدول ليس فقط لمصلحة اقتصادية مشتركة، بل مدفوعةً بإدراك للتهديد الوجودي المشترك، الذي يستهدف وحدتها وكيانها السياسي.
من «الفوضى الخلاقة» إلى التكامل والتعاون
لعقود، شكّل مشروع «الفوضى الخلاقة»، الذي هندسته الولايات المتحدة الامريكية ودعمته «إسرائيل»، حجر الزاوية في سياسة تفكيك أي تقارب محتمل بين القوى الإقليمية. وقد نجح هذا المشروع مؤقتاً في استغلال خلافات عديدة بين دول المنطقة، كدعم الإخوان المسلمين، والصراعات في ليبيا وشرق المتوسط، لخلق حالة من القطيعة والعداء. لكن المسار الحالي يمثل انقلاباً استراتيجياً على تلك الرؤية. فنقطة التحوّل الحقيقية جاءت حين أدركت أنقرة والرياض والقاهرة أن المستهدف ليست مصالحها الجزئية فحسب، بل وجودها ككيانات سياسية موحدة. ومن هنا، أصبح التعاون بينها ليس خياراً تكتيكياً، بل ضرورة دفاعية وجودية. وهو ما دفع الاعلام «الاسرائيلي» لوصف الزيارة بأنها ولادة محور إقليمي جديد، وبأنه تحدٍ استراتيجي حقيقي قادر على وضع حد للمشروع «الإسرائيلي» في الإقليم.
المحرك المشترك:التهديد «الإسرائيلي» الصريح
التصريحات «الإسرائيلية» الأخيرة، التي لا تخفي طموحاتها التوسعية، وسعيها لضرب «المحيط الحيوي» للدول الأقليمية الأساسية، عملت كجرس إنذار موحد. هذا التهديد المشترك حوّل العلاقة بين العواصم الثلاث من تنافس إلى تكامل اضطراري، حيث بات واضحاً أن الانعزال يعني الهشاشة، وأن التحالف هو السبيل الوحيد للبقاء في نظام إقليمي مضطرب، وتغييرات كبرى في موازين القوى العالمية، تدفع الدول للبحث عن عوامل الاستقرار والابتعاد عن التبعية والارتهان للابتزاز الامريكي-الصهيوني.
شراكات اقتصادية استراتيجية: رؤية 2030 مقابل قرن تركيا
يعكس جدول أعمال زيارة أردوغان هذا التحوّل بوضوح. فعلى الصعيد الاقتصادي، تسعى تركيا والسعودية إلى رفع حجم التبادل التجاري من 8 مليارات دولار في 2024 إلى نحو 30 مليار دولار في المدى المتوسط. أما مع مصر، فالهدف هو رفع التجارة الثنائية من 10 مليارات دولار حالياً إلى 15 مليار دولار. لكن الأهم من الأرقام، هو طبيعة الشراكة، فهي ليست تبادلاً تجارياً تقليدياً، بل تكاملاً استراتيجياً يستفيد من «رؤية السعودية 2030» و«رؤية قرن تركيا». فالتقدم التركي في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة يتكامل مع الطموح السعودي في بناء اقتصاد معرفي مستقل، مما يخلق بنية تحتية لشراكة طويلة الأمد.
وقد أكد البيان المشترك الصادر عن القمة التركية-السعودية هذا التوجه، إذ شمل 30 بنداً غطّت مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار، والطاقة وتغير المناخ، ومجلس التنسيق الثنائي، والدفاع والأمن، والقضايا الإقليمية، مثل: فلسطين واليمن والسودان والصومال. وجاء فيه صراحة: «اتفقا على أهمية تعزيز الروابط الاقتصادية، لا سيما في القطاعات ذات الأولوية المشتركة، والاستفادة من الفرص الاستثمارية التي تتيحها رؤية [السعودية 2030] و [رؤية قرن تركيا] بما يخدم المصالح الاقتصادية المتبادلة».
البعد الدفاعي: نواة تحالف عسكري إقليمي
لكن المحور الأبرز في هذه الزيارة يتمثل في البُعد الدفاعي، الذي يتجاوز التعاون الثنائي ليشير إلى تبلور محور أمني ثلاثي محتمل. فقد تبلورت تقارير متعددة حول مساعٍ تركية جادة للانضمام إلى التحالف الدفاعي القائم بين السعودية وباكستان. هذا التحالف، الذي كان في السابق ثنائي الطابع، قد يتحول قريباً إلى مثلث استراتيجي قادر على تقديم بديل أمني مستقل عن المنظومات الغربية، خاصة في ظل تزايد الشكوك حول موثوقية الضمانات الأمريكية.
وفي القاهرة، أبرمت تركيا ومصر صفقة أسلحة بقيمة 350 مليون دولار، تشمل شراء مصر لنظام الدفاع الجوي «Tolga»، المصمم خصيصاً لإسقاط الطائرات المُسيرة عبر خمسة أنظمة متكاملة. بالإضافة إلى ذلك، سيتم إنشاء مصنع تركي في مصر لإنتاج قذائف عيار 155 ملم، ما يمثّل خطوة نوعية نحو نقل التكنولوجيا، وبناء قدرات دفاعية محلية مشتركة، لتعبّر هذه الخطوة عن مستوى متقدم من التعاون والتنسيق المشترك.
تنسيق إقليمي موحّد: من غزة إلى الخرطوم
على الصعيد الإقليمي، بات التنسيق بين الدول الثلاث أكثر وضوحاً وفعالية. ففي السودان، تعمل الدول الثلاث على دعم الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع، في محاولة لمنع تقسيم البلاد والحفاظ على وحدتها. وفي سورية، تدعم العواصم الثلاث مساراً سياسياً يعزز الاستقرار بعد سقوط الأسد. أما في فلسطين، فقد شكّلت القضية محور المباحثات بين أردوغان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي التركي-المصري، حيث تبنت الدول الثلاث موقفاً موحداً لدعم وقف إطلاق النار، وإعادة إعمار غزة، ومنع تحقيق المخطط الصهيوني في تهجير سكان غزة.
تحالف وجودي
باختصار، زيارة أردوغان في شباط 2026 ليست حدثاً دبلوماسياً عابراً، بل هي ترسيخ مرحلة جديدة في السياسة الإقليمية. ففي لحظة دولية حرجة، اختارت تركيا والسعودية ومصر أن تضع خلافات الماضي جانباً، وتتكاتف في مواجهة التهديدات المشتركة. هذا التحالف الناشئ، المدعوم باتفاقات اقتصادية وعسكرية ملموسة، ليس رفاهية سياسية، بل ضرورة وجودية. وهو يشكّل نواة لمحور إقليمي قادر على إعادة رسم التوازنات، واحتواء الطموحات التوسعية «الإسرائيلية»، وصياغة مستقبل المنطقة، بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264
معتز منصور