مقتل مواطن أمريكي على يد قوات فيدرالية: الصراع الداخلي كمرآةٍ لأزمة المنظومة
في 24 كانون الثاني 2026، أطلقت قوات تابعة لوكالة الهجرة والجمارك الأمريكية النار على مواطن أمريكي في مينيابوليس، ما أسفر عن مقتله. وقع الحادث وسط احتجاجات واسعة ضد حملة إدارة ترامب الصارمة على الهجرة، وأدى إلى اشتباك بين أكثر من مئة متظاهر مع عناصر الأمن الفيدرالي. لم يكن هذا الحادث معزولاً؛ فقد سبق أن قُتلت رينيه غود في 7 كانون الثاني في ظروف مشابهة، ليصبح عدد القتلى على يد قوات الهجرة منذ مطلع العام أربعة، بعد أن بلغ العدد 30 قتيلاً في 2025 – وهو الأعلى منذ تأسيس الوكالة عام 2004.
ردّ عمدة مينيابوليس
جاكوب فراي كان واضحاً: وصف الممارسات بـ«المقززة وغير المقبولة»، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى ضبط النفس، محذراً من «مواجهة فوضى ترامب بمزيد من الفوضى». أما حاكم ولاية مينيسوتا، تيم والز، فقد أعلن عبر وسائل التواصل، أن «الكيل قد طفح»، وطالب الرئيس ترامب بإنهاء العملية الفيدرالية فوراً، بعد أن تحدث شخصياً مع البيت الأبيض.
خلف هذا الحادث لا يقف خلاف تقني حول أساليب إنفاذ القانون، بل صراع مؤسسي حاد بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات. منذ مطلع العام، تنشر إدارة ترامب آلاف الضباط الفيدراليين في ولايات لم توافق على وجودهم، مثل: مينيسوتا وأوريغون وكاليفورنيا. وفي وقت سابق، أمر ترامب بسحب الحرس الوطني من مدن، مثل: شيكاغو وبورتلاند ولوس أنجلوس، بعد أن قضت المحكمة العليا بعدم قانونية نشره دون موافقة حكام الولايات. لكنه أشار حينها إلى أن العودة «مسألة وقت فقط»، وربما «بشكل أقوى».
اليوم، يهدّد ترامب صراحةً بتفعيل «قانون التمرد»، الذي يخوّله نشر الجيش داخل الولايات لقمع الاضطرابات. هذا التهديد لا يأتي من فراغ، بل هو جزء من استراتيجية ممنهجة تهدف إلى نزع الصلاحيات من السلطات المحلية، وتوسيع نطاق السيطرة الفيدرالية المباشرة تحت ذرائع، مثل: «مكافحة الجريمة» أو «أمن الحدود». الهدف ليس فقط فرض النظام، بل منع أي تحرك شعبي منظم قبل أن يكتسب زخماً، أي استباق الانفجار الاجتماعي عبر القمع المباشر.
لكن هذه التطورات الداخلية لا يمكن فصلها عن حالة التراجع الشامل التي تعيشها المنظومة الأمريكية على الصعيد العالمي. ففي ظل أزمات اقتصادية متفاقمة: من تآكل ثقة الأسواق بالدولار، إلى تراكم الديون، وعجز الإدارة عن كبح التقدم الاقتصادي لخصومها الاستراتيجيين. تسعى إدارة ترامب إلى تعويض هذا التراجع عبر تقديم «إنجازات» خارجية، حتى لو كانت رمزية أو غير مكتملة. سواء في فنزويلا، أو عبر خطابات التهديد الجيوسياسية، أو محاولات إعادة تشكيل التحالفات، فإن الهدف واحد: إقناع الداخل بأن الهيمنة الأمريكية لا تزال قائمة، وأن المنظومة قادرة على «الإنجاز» رغم كل شيء.
هذا التفاعل بين أزمة الداخل، ومحاولة تصدير القوة إلى الخارج، يولّد حلقة مفرغة: فكلما تعمّقت الانقسامات الداخلية، زادت الحاجة إلى خطاب خارجي عدواني؛ وكلما فشلت السياسة الخارجية في تحقيق انتصارات حقيقية، ازداد الاعتماد على أدوات القمع الداخلي لفرض السيطرة بالقوة. وعليه، فإن مقتل المواطن الأمريكي في مينيابوليس ليس مجرد حادث أمني، بل تجسيدٌ حيٌ لهذا التناقض، فتغيير وضع الولايات المتحدة على الساحة الدولية، يعني فعلياً تراجع في ريع كان يساهم في حالة من التوازن الاجتماعي الداخلي، أما الآن فالانفجار قادم وترامب والتيار الذي يمثله يسابق الوقت!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262