إيران… واشنطن لم تتراجع بعد!

إيران… واشنطن لم تتراجع بعد!

بعد سلسلة من التهديدات الأمريكية و«الإسرائيلية» بتوجيه ضربة إلى إيران بغية إنهاء النظام الإيراني، ظهرت خلال الأيام القليلة الماضية بوادر تراجع احتمال شن عملية حربية جديدة، ورغم التأكيدات الأمريكية بأن الخيار العسكري غير مطروح حالياً، إلا أن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن الأزمة تم تجاوزها، بل إن مؤشرات كثيرة تؤكد أن الخطر لا يزال قائماً.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّه تلقى معلومات
من «مصادر مهمة جداً تفيد بتوقّف القتل في إيران» في مؤشر على أن الحسابات الأمريكية ربما تغيّرت حول توجيه ضربة عسكرية، وجاء ذلك بالتزامن مع تقارير تفيد بأن رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو طلب من الولايات المتحدة تأجيل أي عمل عسكري ضد إيران، ما سبق لا يعني بحال من الأحوال تراجع واشنطن وتل أبيب عن الخطة بإنهاء النظام الإيراني، لكنّه من غير المستبعد أن تكون الحسابات قد تغيّرت فعلاً، وهو ما يحتاج إلى تفسير.


رفض التدخل الخارجي


الاحتجاجات التي شهدتها المدن الإيرانية والتي تحوّلت بشكلٍ سريع إلى مشهدٍ دامٍ، كان المطلوب غربياً أن يجري استثمارها إلى أبعد حدٍّ ممكن، لذلك سعت التصريحات الغربية إلى دفع النظام إلى مقابلة هذه الاحتجاجات بأكبر قدرٍ ممكن من العنف، وهو ما يفسر التصريحات الأمريكية و«الإسرائيلية» التي تحدّثت عن نشاط الموساد بين المحتجين، ما يمكن أن يدفع النظام للتعامل مع ما يجري من خلال الحل الأمني البحت، وقطع الطريق على أي تلاقٍ يمكن أن يحصل بين المحتجين والسلطة، وهو أسلوب أمريكي بات معروفاً لزيادة حالة الشقاق القائمة في المشهد الداخلي، ما يمكن أن يعقد الأوضاع بشكلٍ كبير، ويزيد من مستوى العنف، لكن هذه المرة المسألة كانت مختلفة بعض الشيء، فالمعطيات تشير إلى أن الحركة الاحتجاجية بشكلها السابق بدأت بالانحسار النسبي، وربما يُردّ ذلك إلى حجم التهديد الخارجي الذي ينظر إليه الإيرانيون بوصفه تدخلاً في شؤونهم الداخلية، بل إن تجربة حرب الـ 12 يوم السابقة، أثبت أن الداخل الإيراني ورغم الخلافات والمشكلات الكبيرة القائمة، لا يرى في الدور الأمريكي نصيراً للشعب، بل على العكس تماماً، ما يُعيد التأكيد، أن التدخلات هذه تعمل فعلياً على إعاقة أي تغيير جدي داخل إيران، وتركّز أكثر على دفع الأمور نحو الفوضى.


ظرف إقليمي مختلف


إن الدول الإقليمية في محيط إيران، والتي كانت قبل بضعة عقود في حالة من الصدام والصراع، أصبحت اليوم أكثر حكمة بالتعامل مع ما يجري حولها، فقبل سنوات كانت بعض القوى في الإقليم مستعدة للانخراط بشكلٍ نشط بأي عمل لإسقاط النظام الإيراني، لكن جملة من التجارب الملموسة، مثل: العراق وسورية، تفرض اليوم قراءة مختلفة، فدولٌ إقليمية، مثل: تركيا والسعودية، تدرك أن مستوى التهديدات الأمنية بعد كل مغامرة من هذا النوع سيكون أخطر وأوسع، ولن تبقى بعيدةً عنهم كما كانوا يظنون، فضمن المشهد الحالي يظهر النشاط الأمريكي و«الإسرائيلي» بوصفه نشاطاً تخريبياً لا يستثني أحداً، ولذلك ظهرت خلال الأسابيع الماضية سلسلة من المواقف الرافضة لأي تدخل في إيران، وتحديداً من تركيا والسعودية، بعد أن أقرت أنقرة بوجود مشاكل داخل إيران ينبغي حلّها، إلا أنّ موقفها كان واضحاً من أي تدخل خارجي، بل وحذّرت من النشاط «الإسرائيلي» المشبوه، كذلك الأمر كان بالنسبة للرياض، التي نقلت تقارير أنّها حاولت الضغط على الولايات المتحدة لاستبعاد أي ضربة محتملة، وذهبت أبعد من ذلك حين أكّدت لطهران، أنّها لن تقبل باستخدام الأجواء السعودية لأي ضربة ضدها. هذا بالإضافة إلى أن العلاقات الروسية الإيرانية، والصينية الإيرانية، شهدت تطوراً في عددٍ من المجالات، وتحديداً في المجالات الأمنية والعسكرية، وهو ما أضاف ميزات نوعية لقدرات إيران القتالية، ولم يعد قرار ضربها مسألة بسيطة.
كل ما سبق يعبّر عن واقع إقليمي كان يتغير خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أنّه اليوم بدأ يعبّر عن نفسه بأشكال أكثر ووضوحاً.
واقع كهذا يجعل الحسابات الأمريكية حساسة جداً، وخصوصاً أن أي مغامرة جديدة ستكون نتائجها مدّمرة، وتحديداً من زاوية أنّها ستتحول إلى عامل لتسريع انفكاك دول المنطقة عن الولايات المتحدة، في الوقت الذي تأمل واشنطن إبطاء هذه العملية الموضوعية قدر الإمكان.


خطر التفجير قائم


ترامب، وعلى الرغم من التراجع الظاهري، يتبنى حتى اللحظة خطاباً تصعيدياً، إذ قال في تصريحات لبوليتيكو الأمريكية: إن «الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران» بل إن نقل قطع عسكرية أمريكية إلى المنطقة لا يزال قائماً، فمحاولة تفجير إيران لم تكن إلا تعبيراً عن ضرورة ملحة لم تعد قابلة للتأجيل، ويظهر أن الولايات المتحدة تعمل مؤخراً بشكلٍ نشط على عدد من الملفات المرتبطة بدول الإقليم الأساسية، فبعد أن كانت محاولة تفجير المنطقة عبر استهداف دول، مثل: تركيا والسعودية وإيران ومصر، يظهر اليوم أن الهدف لا يزال قائماً، بل يجري العمل على كل هذه الملفات بشكلٍ متزامن، لذلك لا يمكن النظر إلى الإعلان عن تراجع ضرب إيران بوصفه الصفحة الأخيرة من القصة، بل إن غرب آسيا لا يزال واقعاً بشكلٍ كبير تحت خطر حقيقي، لن يكون بالإمكان احتواؤه فقط عبر التفاهمات الإقليمية رغم أهميتها، بل يحتاج أيضاً إلى تفكيك كل بؤر الانفجار في الداخل، ما يمكن أن يرفع من الحصانة بشكلٍ كبير.


ملاحظات ليست هامشية!


ما جرى في إيران مؤخراً، وبعيداً عن تفاصيله السياسية، كان مؤشراً جديداً على قدرة دول مثل: إيران، على مجابهة نشاط خارجي منظم، فرغم أن الوصفة الأمريكية المعروفة جرى تطبيقها بحذافيرها، إلاّ أنّها لم تعط الثمار المتوقعة، حتى ضمن المجال الإعلامي والتقني، يظهر أن شبكة العلاقات التي يجري بناؤها وتطويرها أصبحت قادرة على تحييد جزء من الأدوات الأمريكية التقليدية، بل إن نجاح إيران بتعطيل 40 ألف جهاز ستارلينك، جرى تهريبها إلى داخل البلاد، هو قبل كلّ شيء إنجاز تقني، لا يعتمد على قدرات طهران الداخلية فحسب، بل أيضاً على ما يمكن أن تقدمه دول أخرى، مثل: روسيا والصين.
يظهر بنظر البعض، أن الإيرانيين الذين خرجوا بدافع مطالب محقّة لن يكونوا قادرين للدفع إلى الأمام، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك تماماً، فاتحاد الشارع والنظام ضد أي خطر خارجي هو ورقة رابحة للشارع الإيراني، لا العكس، وإن تحييد أي تدخل خارجي هو في الحقيقة لمصلحة الشعب الإيراني، الذي سيكون أمام ظرف أنسب للعمل السياسي المنظم والمشروع، الذي يضمن فعلاً تغيير المعادلة لصالح عموم الشعب الإيراني، بدلاً من دفع البلاد إلى حالة من الاقتتال الداخلي، لن يكون تفتيتها أكبر نتائجها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261