مبادرة ترامب لسد النهضة: سلامٌ أم ابتزاز لفرض الهيمنة
معتز منصور معتز منصور

مبادرة ترامب لسد النهضة: سلامٌ أم ابتزاز لفرض الهيمنة

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، عادت الولايات المتحدة إلى واجهة ملف سد النهضة الإثيوبي، عبر مبادرة شخصية من الرئيس دونالد ترامب، خلال لقائه بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وعلى الرغم من أن الطرح الأمريكي بدا للوهلة الأولى كمحاولة «وسيطة» لحل نزاع مائي حساس، فإن تفكيك هذه المبادرة يكشف عن أهداف استراتيجية أعمق، تتجاوز المياه لتصل إلى إعادة ترتيب خرائط النفوذ في منطقة حيوية، تتقاطع فيها المصالح الأمريكية–الإسرائيلية مع باقي شعوب المنطقة.

الوساطة كأداة هيمنة


المبادرة الأمريكية ليست جديدة في جوهرها، بل هي استمرار لنهج واشنطن التاريخي في استخدام «الوساطة» كأداة لفرض أجندتها تحت غطاء السلام. فمنذ عام 2020، حينما انهارت مفاوضات واشنطن حول السد بسبب رفض إثيوبيا التوقيع على اتفاق لا يضمن سيادتها، انتقل الملف إلى الاتحاد الأفريقي. واليوم، ومع عودة ترامب، يبدو أن واشنطن تستغل حالة الضعف النسبي لدول المنطقة، وانشغالها بملفات إقليمية كبرى، لفرض صفقة شاملة تخدم مصالحها الاستراتيجية.
وما يلفت النظر، أن الرسالة التي وجّهها ترامب لم تقتصر على مصر وإثيوبيا والسودان، بل شملت السعودية والإمارات أيضاً، وهو ما يؤكد أن المبادرة لا تهدف فقط إلى تنظيم تدفق مياه النيل، بل إلى ربطها بصفقة إقليمية أوسع، قد تتضمّن تنازلات مصرية في غزة، أو تطبيعاً أعمق مع «إسرائيل»، مقابل ضمانات مائية مشروطة.


إثيوبيا: بين الانهيار الداخلي والطموح البحري


لا يمكن فهم موقف إثيوبيا من دون النظر إلى هشاشتها الداخلية. فرغم خطاب رئيس الوزراء آبي أحمد الوطني، حول «الوصول إلى البحر كأمر لا مفر منه»، فإن الدولة تعيش حالة انقسام داخلي مستمر، تمثّلت في حروب تيغراي، وتمردات أوجادين، وتدخلاتها في الصومال وإريتريا. هذه الفوضى الداخلية تجعل أديس أبابا عرضة للابتزاز الخارجي، وتُسهّل على القوى الكبرى، مثل: الولايات المتحدة وإسرائيل، استغلال طموحاتها الجغرافية لدفعها نحو محاور تتعارض مع مصالح جيرانها.


المياه كسلاح جيوسياسي


اللافت في الطرح الأمريكي، هو تركيزه على «ضمان إمدادات مياه متوقعة خلال فترات الجفاف» لمصر والسودان، مقابل السماح لإثيوبيا بتوليد الكهرباء. يبدو الطرح معقولًا، ويحقق مصالح الدول المعنية، لكنه في الجوهر يُحوّل المياه إلى سلعة قابلة للتفاوض، ويُفرغ السيادة المائية من مضمونها. والأكثر خطورة، هو ما يتم تداوله من احتمال توجيه جزء من مياه النيل نحو غزة، أو حتى «إسرائيل»، تحت ذرائع «التعاون الإقليمي» أو «إدارة الأزمات الإنسانية”.
هذا السيناريو لا يهدد الأمن المائي المصري فحسب، بل يُدخل المنطقة في دوامة جديدة من التبعية، حيث تُستخدم الموارد الحيوية كأداة لابتزاز الدول، ودفعها لتقديم تنازلات سياسية وأمنية لا تُحتمل.


السلام الزائف ومشروع التقسيم


في العمق، لا تختلف مبادرة ترامب عن سابقاتها من المبادرات الأمريكية في الشرق الأوسط: فهي تبدأ بخطاب «الاستقرار»، وتنتهي بنتائج «الفوضى المُدارة». فالولايات المتحدة لا تسعى إلى استقرار حقيقي يُعزّز من قوة الدول الوطنية، بل إلى نظام إقليمي هشّ، تتنافس فيه الكيانات الصغيرة، وتتصارع القوى المتوسطة، بينما تحتفظ واشنطن وحليفتها «إسرائيل» بمفاتيح التحكم.
وفي هذا الإطار، تُعتبر مبادرة سد النهضة جزءاً من مشروع أوسع لتفكيك الدول المركزية القوية، مثل: مصر والسعودية، وتحويل المنطقة إلى مسرح لصراعات مُدارة، تُسهّل الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية على الممرات المائية، والموارد الطبيعية، والقرارات السيادية.


خاتمة: بين الخيار الوطني وخيار التبعية


الحل الحقيقي لأزمة سد النهضة يجب أن يمر عبر تفاهمات بين الدول المعنية بشكل اساسي ومن خلال تقديم تنازلات متبادلة تضمن مصالح جميع الدول، وليس من خلال تحويله لورقة ابتزاز تستهدف جميع الدول، أما إثيوبيا، فعليها أن تدرك أن طريق الاستقرار لا يمر عبر التحالفات الخارجية التي تستغل انقساماتها، بل عبر التوافق الداخلي والاندماج الإقليمي مع جيرانها، لا ضدّهم. وإلا فإن «الوصول إلى البحر» الذي تحلم به قد يتحول إلى بوابة لغرق الدولة كلها في بحر من الفوضى التي ترعاها القوى الأجنبية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1262