على ماذا تستند الأصوات الأوروبية والأوكرانية الرافضة لخطة ترامب؟
لم تتوقف ردود الفعل على خطة الرئيس الأمريكي لإنهاء الصراع في أوكرانيا منذ سرّبت وسائل الإعلام بنودها الـ 28، بل إن جلسة مفاوضات جرت في جنيف أنتجت خطة معدلة من 19 نقطة أعادت الأزمة إلى المربع الأول، بحيث لا يمكن قبوله من قبل روسيا، التي تقف في موقع متقدم عسكرياً، ما يجعلها أقدر على فرض شروطها، حتى وإن تم ذلك على أرض المعركة بدلاً من طاولة المفاوضات!
منذ أن سرّبت وسائل الإعلام الخطة الأولية، وأكد مسؤولون أمريكيون جوهر طرح الرئيس ترامب، أظهرت الأطراف الأوروبية موقفاً متحفظاً رغم تغليفه بعبارات دبلوماسية منمقة، ليظهر للوهلة الأولى كما لو أننا أمام تيارين، واحد أمريكي يمثله ترامب، وآخر يقابله مؤلف من دول أوروبية أساسية وأوكرانيا يرفضون تقديم تنازلات لروسيا، لكن بعض التدقيق في خطوط الفصل هذه، يظهر واقعاً يختلف جذرياً عن هذا التقسيم الشكلي، فالانقسام يبدأ من الداخل الأمريكي أولاً.
ألاسكا نقطة علّام
عبّر ترامب مراراً عن رغبته بإنهاء الصراع في أوكرانيا بأسرع وقتٍ ممكن، لكن وعوده الانتخابية بإنهائه خلال 24 ساعة بدت غير واقعية منذ وصوله إلى البيت الأبيض، ورغم أن قمّة ألاسكا بين ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بدت خطوة في هذا الاتجاه، شهدنا بعدها تراجعاً في الموقف الأمريكي، وصولاً إلى تهديد ترامب بتزويد الجيش الأوكراني بأسلحة نوعية جديدة يمكن أن تضرب العمق الروسي، ما أدى فعلياً إلى موجة جديدة من التصعيد،
ينظر البعض إلى مبادرة ترامب من ألاسكا وصولاً إلى خطة البنود الـ 28 بوصفها مناورة ومحاولة لكسب الوقت، ويرى هؤلاء أن تراجع ترامب وانتقاله من التهدئة للتصعيد بوصفه دليلاً على ذلك، لكن المشهد داخل واشنطن يكشف مسألة مختلفة، وهي ببساطة أن هناك انقساماً واضحاً متعاظماً داخل دوائر القرار الأمريكي، الانقسام بطبيعة الحال لا ينحصر في الملف الأوكراني، بل يتجاوز ذلك بعيداً ليشمل السياسة الخارجية الأمريكية برمتها، وإن ما يكبح توجّه ترامب هو في الحقيقة صراع داخلي عميق يمنع فعلياً أيّاً من التيارين في المضي قدماً.
كيف يتجلى هذا الانقسام حول أوكرانيا؟
الانقسام كان واضحاً منذ اللحظات الأولى للحرب، لكن الأسبوع الأخير يكفي لعرض دليل واضح على طبيعة الخلاف وأقطابه الأساسيين، فترامب ورغم أنّه يتزعم التيار الانكفائي إلا أنّه محكوم بحكم موقعه بالتعبير عن المحصلة النهائية، ويعمل مع فريقه على تعديل الكفة.
وظهر خلال الأسبوع الماضي أن شخصيات، مثل: نائب الرئيس جي دي فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، والمستشار جاريد كوشنر يعبرون بوضوح عن تيار يرى ضرورة لإنهاء الحرب، والقبول بالشروط الروسية، بغية التركيز على الأولويات الداخلية الأمريكية، وتجنب استنزاف الموارد في صراعات خارجية، ووصف فانس بأن «مستوى الشغف بهذه القضية الواحدة بينما تعاني الولايات المتحدة من مشاكل خطيرة» بأنّه تصرّفٌ «جنوني».
في مقابل هذا التيار، تتحرك شخصيات أخرى وتنخرط بكامل قواها في المعركة الداخلية، فبحسب مصادر أمريكية لعب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو دوراً أساسياً في عرقلة توجّه ترامب، فبحسب نيويورك تايمز وعدد من وسائل إعلامٍ أخرى، أبلغ وزير الخارجية عدة مشرعين جمهوريين «بأن الخطة كانت مقترحاً تقوده روسيا» ورغم أنّه تراجع لاحقاً، وقال: إنّها «وثيقة أمريكية» إلا أن المد المضاد كان قد بدأ ولم يعد من الممكن إيقافه، وخصوصاً أن الانتقادات جاءت من داخل الكتلة الجمهورية نفسها، فقال السيناتور ميتش ماكونيل: إن «صفقة تكافئ العدوان لن تساوي قيمة الورق الذي كتبت عليه» واعتبر النائب دون بيكون الخطة «مثيرة للاشمئزاز» ووصفها بأنّها «خطة استسلام»، أما النائب بريان فيتزباتريك، فقد دعا إلى «تمزيق خطة الأمنيات الروسية ورميها في سلّة المهملات».
ماركو روبيو قاد بنفسه جولة المفاوضات في جنيف، ويبدو أنّه أدى دوراً واضحاً في تقديم الخطة الجديدة، فهو والتيار الذي يعبر عنّه يرون خطة ترامب الأولية بوصفها «مكافأة للعدوان الروسي» ويرون أن الموقف الأمريكي يجب أن يركز على دعم كييف، وزيادة الضغط على روسيا بكل الوسائل الممكنة.
الموقف الأوروبي
يمكن بالبناء على ما سبق، أن نعلم على ماذا تستند الدول الأوروبية وكييف، في رفض خطة ترامب، فبالنسبة لهم سيكون قبول الخطة بشكلها الأولي بمثابة هزيمة مدوية سيرتد صداها إلى داخل الدول الأوروبية نفسها، وهم قلقون بشكلٍ كبير من نتائج السياسة الانكفائية الأمريكية التي يعبر عنها ترامب، فتحويل هذا التوجه إلى واقع يعني رفع الغطاء الأمريكي عن أوروبا، وبالتالي إطلاق سلسلة من التغييرات السياسية العميقة، والمشكلة هنا لا ترتبط بروسيا، بل هي أكبر من ذلك بكثير، فالدور الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كان الضامن الوحيد لبقاء الكتلة الأوروبية موحدة، ويمكن لإنهاء الدور الأمريكي في أوروبا أن يعيد تنافساً دموياً بين الدول الأوروبية، التي ستجد نفسها بسباق تسلّح وصراع على المصالح. المشكلة هي أن نتائج الصراع في أوكرانيا تتجه نحو حسم روسي كاسح، قد يعني قريباً أن تفرض موسكو على كييف توقيع معاهدة استسلام ما، سيكون له أثر أكبر بكثير من القبول بالصيغة الأولية للاتفاق. بل إن الرد الروسي على الخطة المعدلة كان واضحاً، فتجاهلت موسكو الجهود الأوروبية، وأعلن الكرملين أنّه «يتفاوض حصراً مع الولايات المتحدة».
كل الأسلحة المتاحة في معركة ساخنة
الولايات المتحدة في تبنيها للخطة المعدلة تكون قد تراجعت عن مسعى ترامب الأولي، لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن المعركة انتهت، فهناك عوامل لا يمكن تجاهلها تؤثر بشكلٍ كبير على مجرى الأحداث، فمن جهة هناك سلسلة من فضائح الفساد التي بدأت تضرب بوضوح أركان النظام القائم في كييف، كان آخرها استقالة كبير المفاوضين أندريه يرماك، ومدير مكتب الرئيس زيلينسكي، وسط فضيحة فساد مدوية، وتأتي هذه الاستقالة بعد تسريبات عن نهب كبير للمساعدات التي تتلقاها أوكرانيا، وربما تورطت شخصيات أوروبية في هذه القضية، ما يمكن أن يزيد من الضغط على الجانب الأوكراني، وعلى داعميه الأوروبيين، وداخل واشنطن، هذا إلى جانب أن الوضع العسكري الميداني في أوكرانيا لا يمكن الاستهانة به، فوزير الجيش الأمريكي دان دريسكول- وفي إطار ضغطه على كييف لقبول الخطة قبل مشاورات جنيف- كشف خلال زيارته لأوكرانيا في 20 تشرين الثاني، أن «الموقف العسكري لأوكرانيا سيزداد سوءاً بمرور الوقت» وقال دريسكول: إن «أفضل الألوية الأوكرانية تواجه خطر الحصار، وتفتقر الخطوط الخلفية للتحصينات الكافية، وتعاني القوات من نقص حاد في القوى البشرية» مضيفاً بأن أوكرانيا مقبلة على «هزيمة وشيكة ولا أحد يمكن أن يقدم مساعدة تغيّر هذا الواقع».
إن فضيحة الفساد تدفع عدد من المحللين للقول: إن الأموال التي كانت مخصصة لبناء التحصينات وغيرها من الدفاعات جرى اختلاسها من قبل مسؤولين أوكرانيين وأوروبيين، ويمكن أن يقود سقوط واحد من خطوط الدفاع الحالية إلى تدهور سريع جداً وتقدم روسي لا يمكن إيقافه، هذا فضلاً عن أن الهجمات الروسية الأخيرة تصبح أشد وأكثر كثافة، ما يجعل الدفاعات الأوكرانية المنهكة أمام تحدٍ صعب، إذ استخدمت روسيا في هجوم واحد أكثر من 600 طائرة مسيرة و36 صاروخاً استهدفت البنية التحتية للطاقة، هجمات كهذه أدت خلال الشهر الماضي لانقطاعات في الكهرباء عن أكثر من 600 ألف شخص في كييف والمناطق المحيطة بها وحدها! ما يمكن أن يزيد من احتمال أن تنهي روسيا المعركة بالفعل في الميدان بدلاً من طاولة المفاوضات، وتترك بعد ذلك «صقور واشنطن» وأتباعهم أمام واقع لا يمكن حصر تداعياته.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254