الهوية «السلمية» لليابان... شرارة أزمة جديدة في آسيا
حلا الحايك حلا الحايك

الهوية «السلمية» لليابان... شرارة أزمة جديدة في آسيا

تحديات جدية يواجهها استقرار القارة الآسيوية بعد أكثر من أسبوعين على التصريحات التي أطلقتها تاكايتشي في 07 تشرين الثاني، إذ تتصاعد حدة التوتر في العلاقات الثنائية الصينية - اليابانية، وإذا لم يتم احتواء الموقف قد يقود المنطقة إلى صراعٍ يرتد على من أشعلوه أنفسهم.

ناقش مقال سابق لقاسيون «الولايات المتحدة وإشعال العالم... آسيا نموذجاً»، الأزمة الدبلوماسية الحادة التي نشأت بين الصين واليابان إثر تصريحات أدلت بها رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي في 7 تشرين الثاني أمام البرلمان الياباني، حول تايوان.
تستمر تداعيات هذه التصريحات، فعلى الرغم من التراجع الشكلي الذي تجلى في اقتصار تصريحات تاكايتشي منذ ذلك الحين على الموقف الأكثر غموضاً الذي تبناه رؤساء الوزراء اليابانيون السابقون، وتأكيدها هذا الموقف مجدداً أمام صحافيين. بحسب وكالة «بلومبرغ»، كما أفادت مصادر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب من تاكايتشي تجنب المزيد من التصعيد في النزاع مع الصين خلال محادثات الأسبوع الماضي. إلا أن طوكيو تواصل تجاهل مطالب بكين بالتراجع الصريح عن التصريحات والالتزام بالقوانين الدولية، ومبدأ «الصين الواحدة». جاء آخرها على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، حيث طالبت «اليابان بالتراجع عن تصريحاتها الخاطئة، والتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية للصين، وإظهار التزاماتها تجاه الصين من خلال إجراءات ملموسة» فيما حذرت وزارة الدفاع الصينية، اليابان من أنها «ستدفع ثمناً باهظاً» إذا «تجرأت على تجاوز الخط الأحمر وإثارة المشاكل لنفسها». وفي معرض رده على التقدم المحرز بشأن خطة يابانية لنشر صواريخ أرض-جو متوسطة المدى في جزيرة يوناغوني، على بُعد حوالي 110 كم شرق تايوان، أكد جيانغ بين، المتحدث باسم الوزارة: إن «مسألة تايوان شأن داخلي صيني بحت، ولا علاقة لليابان بكيفية حل هذه المسألة». كما ذكّر بتاريخ اليابان العسكري، معتبراً أن اقتراح التدخل في «حالة الطوارئ في تايوان» يعكس تجاهلاً لجرائم الحرب التي ارتكبتها اليابان خلال احتلالها لتايوان والصين، محذّراً من أن هذا النهج سيقوّض النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية.
تاريخياً، برزت اليابان كقوة رئيسية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث وظّفت خطابها القومي العسكري لتبرير مشروع إمبراطوري استعماري توسعي في آسيا والمحيط الهادئ. والذي ارتبط بالحاجة البنيوية للرأسمالية اليابانية إلى السيطرة على الموارد الطبيعية والأسواق الخارجية لضمان استمرار التصنيع والتوسع الاقتصادي. فكان غزو منشوريا عام 1931م، ثم الاجتياح الشامل للصين عام 1937م، الذي مثّل نقطة مفصلية لليابان كقوة استعمارية جديدة في المنطقة. وكانت الصين أبرز ضحايا النزعة الاستعمارية اليابانية، إذ واجهت احتلالاً وحشياً تجلّى في مجازر مروّعة، مثل: مذبحة نانجينغ، حيث قُتل مئات الآلاف من المدنيين، إضافة إلى سياسات العمل القسري التي أجبرت ملايين الصينيين على خدمة آلة الحرب اليابانية. مما كشف التناقض الصارخ بين الخطاب الياباني الرسمي الذي رفع شعار «تحرير آسيا من الاستعمار الغربي» وبين الممارسة الفعلية التي لم تكن سوى إحلال استعمار ياباني جديد أكثر قسوة.
بعد هزيمتها عام 1945م، دخلت اليابان مرحلة إعادة صياغة شاملة في بنية الدولة، أبرزها: إقرار دستور عام 1947م. الذي نصت مادته التاسعة الشهيرة على نبذ الحرب كحق سيادي، ومنعت اليابان من امتلاك جيش هجومي أو استخدام القوة العسكرية كوسيلة لحل النزاعات الدولية. فتحولت إثر ذلك من قوة استعمارية توسعية إلى دولة تُعرّف نفسها دستورياً كـ«سلمية». مما شكّل أداة لإعادة توجيه البلاد نحو نموذج جديد من «القوة الناعمة» والاعتماد الأمني على الولايات المتحدة.


تعديل الدستور وبداية مرحلة جديدة


تحايلت اليابان بموافقة الحليف الأمريكي على النص الدستوري، فشكلت عام 1954م ما يُعرف بـ«جيش الدفاع الذاتي» باعتباره قوة دفاعية بحتة. ومنذ خمسينيات القرن الماضي، بدأت الحكومات اليابانية بتوسيع مفهوم «الدفاع الذاتي»، ما سمح بامتلاك قدرات عسكرية متقدمة، مثل: قوات بحرية وجوية مجهزة. وأعادت تفسير المادة لتسمح بالمشاركة في عمليات حفظ السلام الدولية، والدفاع الجماعي مع الولايات المتحدة الأمريكية. كما يسعى الحزب الليبرالي الديمقراطي منذ سنوات إلى تعديل المادة رسمياً، بحيث يُعترف بقوات الدفاع الذاتي كجيش شرعي، وهو ما يواجه انقساماً سياسياً ومجتمعياً لوجود نسبة عالية من الرأي العام الياباني لا تزال تتمسك بالهوية السلميّة التي ميّزت اليابان بعد الحرب.
تستغل الولايات المتحدة الأمريكية إعادة إحياء النزعة الاستعمارية اليابانية، لدفع اليابان نحو دور أكثر هجومية كجزء من استراتيجية تهدف إلى دفع حلفائها نحو الانخراط في صراعات بالوكالة، بما يضمن استمرارها في إشعال بؤر التوتر حول العالم، وتحديداً في آسيا، لتكريس نفوذها وإضعاف خصومها عبر استنزافهم في مواجهات طويلة الأمد. فهل تتجه اليابان إلى تكرار أخطاء ماضيها العسكري تحت غطاء جديد؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1254