أوروبا في الجرف العميق... فما المخرج؟!
كانت نقطة الاتصال بين الرئيسين بوتين وترامب، وجولة المحادثات التي جرت في السعودية، نقطة تحول كبرى في مصير القارة الأوروبية. وعلى مخرجات الحوار الأمريكي الروسي سيُحدد مصير القارة الأوروبية، التي ستُستثنى كليًّا من تحديد مصيرها بعد أن وصلت لمرحلة تبعية للأمريكيين، لا يمكن لها بعدها أن تكون طرفًا في الحوارات، بل فقط منفذة.
مصير أوروبا من المنظور الأمريكي
لخّص نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، في خطابه أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، الرؤية الأمريكية لحاضر ومستقبل القارة. ففي خطاب استمر لعشرين دقيقة، كان أشبه بحفلة تهجم على الأوروبيين، الذين وصفهم بأنهم «لا يحترمون قيم الديمقراطية ويضعون جدراناً نارية على أصوات الشعوب الأوروبية»، في إشارة منه إلى سلوك الدول اتجاه أحزاب أقصى اليمين. وأشار إلى منع مندوبي أقصى اليمين واليسار من حضور الاجتماع الأمني، وقال: إن المشكلة الأوروبية ليست في روسيا، بل في الداخل الأوروبي الذي فقد قيم الديمقراطية، وغير مستعد لسماع أصوات الناخبين ووجهة نظرهم، إلا إذا كانت متطابقة مع البرامج السياسية للأحزاب الحاكمة. لينهي حديثه بالقول: إن «على الأوروبيين أن يضمنوا أمنهم بأنفسهم في ظل ضرورة تفرغ الولايات المتحدة لمشاكل أمنية أكثر أهمية من أوروبا ومصيرها».
الاتفاق الروسي الأمريكي وهزيمة الغرب
كان الاتصال الهاتفي بين بوتين وترامب، وجولة المحادثات اللاحقة في السعودية، بمثابة
دليل على ميزان القوى في القارة الأوروبية والعالم، فالمحادثات وموضوعها تؤكد أن روسيا ليست مهزومة، بل على العكس، وحمل هذا الاتصال، وما جرى في مؤتمر ميونخ صفعة من العيار الثقيل لأحلام المتطرفين الليبراليين في أوروبا، التي عبر عنها رئيس مؤتمر ميونخ للأمن، الدبلوماسي الألماني كريستوف هيوسغن، حيث بكى خلال كلمته الختامية، وذلك بعد خطاب نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، الذي انتقد فيه أوروبا بشدة، وأشار هيوسغن إلى أن المبادئ المشتركة بين الدول الغربية لم تعد كما كانت.
الضمانات الأمنية لروسيا
يتوقع في نهاية المحادثات الأمريكية أن تحصل روسيا على الضمانات الأمنية التي كانت السبب في بدء النزاع مع أوكرانيا. وتتخلى أوكرانيا عن الأراضي التي خسرتها في الحرب، ولن تكون في الناتو. ويتوقع أيضاً انسحاب القوات الأمريكية، أو تقليل عددها في القارة كلها، مما سيضعف وزن ودور حلف الناتو ضمن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. وسينعكس هذا على القوى السياسية المرتبطة بالاستراتيجية الأمريكية السابقة الموجودة في السلطة اليوم، ما سيفسح المجال لظهور قوى سياسية بتوجهات مختلفة، وقد يكون للانسحاب الأمريكي وتغير ميزان القوى ضمن القارة فرصة مهمة لقوى يسارية حقيقية، يمكن لها اغتنام الفرصة التاريخية في ظل تعمق الأزمات الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة، التطورات اللاحقة كثيرة ولا يمكن حصرها، لكن الثابت الأكيد، أن الشعوب الأوروبية ستكون أمام موجة نشاط سياسي عالٍ خلال الفترة القادمة، وهو ما يفتح الباب واسعاً لإعادة صياغة شاملة للسياسة الأوروبية، فالطبقات الحاكمة لن تكون قادرة على الحكم بالطريقة السابقة، والجماهير لن تقبل بذلك، ما يمكن أن يهيئ الظروف أمام فرصة تغيير حقيقية، ترفع أوروبا من الجرف العميق الذي وقعت فيه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1215