2023 انتهاء الهيمنة الغربية وانطلاقة نحو عالمٍ جديد

2023 انتهاء الهيمنة الغربية وانطلاقة نحو عالمٍ جديد

كان أفول الغرب «Westlessness» العنوان الذي عقدت تحته الدورة 56 لمؤتمر ميونخ للأمن في مطلع 2020 وهو الشعار الأبرز للفترة التاريخية التي ندخلها، ورغم تأخر هذا الإعلان إلا أن صدوره عن هذا المنتدى الغربي بالتحديد حمل نكهة خاصة، فكيف نرى هذا الأفول اليوم؟ وهل نتجه إلى عالمٍ جديد أكثر عدلاً؟

قبل استعراض أبرز التغييرات في العام المنصرم، لا بد لنا من الرجوع قليلاً في الزمن وإلى مؤتمر ميونخ ذاته ولكن في 2007 حين حذّر الرئيس الروسي الغربيين من «انقلاب السحر على الساحر» ونبّه أنّ بقاء العالم أحادي القطب الذي عرّفه بأنه «مركز واحد للسلطة، ومركز واحد للقوة، ومركز واحد لاتخاذ القرار» سيكون مدمراً «لا لأولئك الموجودين في إطاره فحسب، بل لسيده نفسه لأنه يقوضه من الداخل» وأشار بعدها إلى أن «مجمل الناتج الإجمالي المحلي للهند والصين في معادلة القوة الشرائية أكثر مما لدى الولايات المتحدة الأمريكية، الناتج الإجمالي المحلي، على هذا الأساس لدول البرازيل وروسيا والهند والصين يفوق مجمل الناتج الإجمالي المحلي للاتحاد الأوروبي» وأضاف أنه: «لا ينبغي الشك في أن المقدرة الاقتصادية للمراكز الجديدة للنمو العالمي ستُحوّل حتماً إلى نفوذ سياسي وسيتعزز تعدد الأقطاب».

نبوءة أم ماذا؟!

في الوقت الذي يرى البعض في كلمات بوتين تلك نبوءة، يبدو واضحاً أنها لم تكن سوى قراءة دقيقة للواقع والاتجاه الموضوعي للأحداث، فاشتداد النهب الغربي الاستعماري والتمركز الشديد والمطرد للثروة، كان يقودنا دائماً إلى تعاظم الشقاق بين دول المركز الرأسمالي من جهة، وبين هذا المركز ودول الأطراف من جهة ثانية، تلك التي كانت مضطرة لتأمين الموارد اللازمة لنموها واحتياجات شعوبها، ولم يكن من الصعب إدراك أن هذه الموارد لا يمكن تأمينها إلا بوقف عملية النهب التاريخية، التي تعرضّت لها هذه المستعمرات من قبل الغربيين الذين لم ولن يتنازلوا طوعاً، وهو ما قادنا إلى مرحلة نوعية جديدة في هذا الصراع، اشتعلت فيها الجبهات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. ونشهد اليوم عملية تفكيك متسارعة لكل أسس عالم الأحادية القطبية وأدوات الاستعمار القديمة/ الجديدة. وبإمكاننا تحديد بعض أبرز ملامح هذه العملية، إذا ما ألقينا نظرة بانورامية على أبرز أحداث العام المنصرم.

الصِّدام مع واشنطن على جبهتين!

كان لبدء الحرب في أوكرانيا الصدى الأكبر في العام المنصرم، وخصوصاً أن لا تهدئة تلوح في الأفق القريب. وبعد مرور بعض الوقت، تبيّن أن أطراف المعركة أوسع من حدود روسيا وأوكرانيا. وأصبح تأمين مستلزمات هذه الأخيرة عبئاً كبيراً على الدول الأوروبية وواشنطن، التي ترى منفعة في إدامة الاشتباك مع روسيا لأطول فترة ممكنة، حتى لو كان ذلك حساب الدماء الأوكرانية. لكن واشنطن تورطت بفتح جبهة أخرى مع الصين في تايوان، بعد أن زارت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي الجزيرة، وما تلاها من مناورات صينية مستمرة، والتي باتت وتيرتها مرهقة بالنسبة للقوات الأمريكية المتواجدة هناك.
التأثيرات الاستراتيجية لما يجري على هذه الجبهات سيكون أكثر وضوحاً في العام القادم، وسيتضح سَمتها العام أكثر فأكثر. فالعلاقات الروسية والصينية تزداد متانة على الرغم من كل الضغوط، ويزداد التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي بشكل غير مسبوق بالنسبة للبلدين ما يمكن أن يكون له تأثيرات كبرى على الخصوم الذين تتداعى صفوفهم، ويعيشون أزمات متفاقمة، وصلت إلى أزمة حُكم شاملة تعصف بالعالم الغربي كله.

التحولات الاستراتيجية الكبرى

ربما يكون أبرز ما شهدناه في 2022 هي تلك المراجعة لاستراتيجيات بدت ثابتة وأزلية، فالتراجع الأمريكي واحتدام المعركة في أوروبا سّرع عملية فرز كانت تجري منذ زمن، وباتت مجموعة من دول الجنوب النامية مضطرة لمراجعة كل مفاصل علاقاتها مع الغرب وواشنطن تحديداً، فالحالات الفردية هنا وهناك أخذت مجتمعة معنى مختلفاً، فبعد الالتفافة التركية باتجاه الشرق، وبعيداً عن واشنطن التي بدأت في 2016، واستمرت في الترسخ حتى اللحظة، شهدنا نزعات استقلالية أوضح عند مجموعة من الدول الأخرى، الهند على رأسها، والتي وعلى الرغم من كونها إحدى دول البريكس الأساسية، إلا أنها حافظت حتى وقتٍ قريب على علاقات جيدة مع واشنطن، لكن ومع بدء حملة الضغوط الغربية على روسيا أخذت نيودلهي موقفاً مغايراً، ولم تنخرط في أيٍ من حزم العقوبات ضد روسيا. ونجحت حتى اللحظة في مقاومة الضغوط الأمريكية الهائلة، وتحديداً تلك التي انتقدت صفقات الحبوب والنفط بين روسيا والهند، ما دفع وزير خارجية الأخيرة سوبرامانيام جايشانكار للقول: «نحن نفهم مصالحنا جيداً ونعلم كيف نحميها ونعززها» في رده على حملة التضييق الغربية ما جاء بمثابة رفضٍ علني للطلبات الأمريكية بوقف التبادل التجاري بين بلاده وروسيا. أما في دول الخليج، فشهدنا تحولات كبرى سيكون لها أثرٌ كبير. فيستذكر الجميع الكلمات الشهيرة لوزير الخارجية السعودي الأسبق سعود الفيصل لجريدة واشنطن بوست في 2004 والتي قال فيها: إن «زواج المملكة السعودية وأمريكا ليس زواجاً كاثوليكياً بل حسب الشريعة الاسلامية التي تجيز الزواج من أربعة» وأعلن الفيصل رغبة السعودية «الزواج بدولٍ أخرى» إلى أن وصلنا إلى العام 2022 الذي بدا كما لو أن «طلاقاً» قريباً يلوح بالأفق، فعلى الرغم من أن الموقف السعودي الرسمي لا يزال يؤكد على تمسكه بالعلاقات مع الولايات المتحدة، إلا أن المطلوب من هذه العلاقة بالنسبة للرياض هو تأمين مصالح السعودية لا واشنطن، ولذلك شهدنا خلافات كبرى حول دور السعودية في أوبك+ بعد أن خالفت الرغبة الأمريكية برفع الإنتاج، أملاً في خفض أسعار النفط، حتى بعد أن توجّه الرئيس الأمريكي إلى الرياض وعودته خائباً.
تحوّلات من هذا النمط سيكون لها ارتدادات حاسمة، فالهند بلد بقدرات اقتصادية وبشرية هائلة، قادرة على تعديل الكفة، ولعب دور أساسي في أي مشروع للتكامل الاقتصادي المستقل لدول الجنوب. أما بالنسبة للسعودية ودول الخليج، فسيكون الابتعاد عن واشنطن خطوة أولية باتجاه انتهاء أو إعادة النظر بأحد أهم أسس هيمنة عالم الأحادية القطبية، وهو تسعير النفط بالدولار الأمريكي.

1103-26

تسعير المواد الخام

إحدى المسائل التي حدثت في 2022 والتي ستترك بصمة واضحة في سير الأحداث في العام القادم، هي القرارات الغربية بفرض سقوف لأسعار الخامات، فالحديث الذي بدأ بخامات الطاقة الروسية أخذ يتوسع ويشمل خامات مختلفة، وبغض النظر عن مصدرها، ما يعني أن الغرب بات يفقد قدراته على التحكم بأسعار الخامات، هذه الميزة الاستعمارية التي مكنته لقرون من نهب ثروات الدول النامية عبر «مقص الأسعار». فالأطر التي بدأت هذه الدول من خلالها التعبير عن مصالحها تتسع، وستكون «دول الجنوب» قادرة في المستقبل القريب لا فرض الأسعار الحقيقية لخاماتها فحسب، بل واستهلاك هذه الخامات في حالة النهوض الصناعي التي تشهدها دول مثل: الصين والهند إلخ. فمحاولات الغرب اليوم استخدام سلاح العقوبات لتحديد أسعار الخامات ومنع بيعها فوق السقف المثبت، تعني أن الوسائل التقليدية لم تعد قادرة على تنفيذ المهمة المطلوبة، هذا بالإضافة إلى أن ارتفاع مستوى العدوانية في مسألة كهذه لن يكون رادعاً بقدر ما سيكون عاملاً مساعداً ومسرعاً في إنهاء علاقات التبعية للغرب الاستعماري.

التجارة والطرق العالمية

اتسم العصر السابق بأنه عصر سيادة طرق النقل البحرية، والتي جرى اكتشافها وتسخيرها في خدمة قوى الاستعمار الغربية، التي عطّلت طرق التجارة التاريخية السابقة، كإجراء ضروري لفرض الهيمنة. اليوم تدرك «دول الجنوب» أن لا استقلال حقيقي يمكن الوصول إليه إلّا عبر استعادة «شرايين الحياة السابقة». لهذا كان الاهتمام الكبير بإعادة إحياء مشروع طريق الحرير القديم، الذي يتبين ورغم حجمه أنه واحد من عدد من المشاريع في الصين والمنطقة، فعملت تركيا على تدعيم عدد من خطوط النقل البري ونقل الخامات بينها وبين مناطق القوقاز، التي يمكن أن تلعب دور الربط مع وسط وشرق آسيا، وفي السياق نفسه بدأت شبكة الطرق البرية INSTC بين روسيا والهند بإنجاز نقلات نوعية في حجم التبادل التجاري، وجرى افتتاح الجزء الشرقي من هذه الشبكة، التي تعبر من روسيا إلى كازاخستان فتركمانستان وبعدها إلى إيران وصولاً إلى الهند.
المسألة لا تتعلق فقط بوجود بنية تحتية متطورة تسمح بتطوّر التجارة البينية بين هذه الدول، ولكن الأهم من ذلك أن حرب أوكرانيا سرّعت بشكل ملحوظ عملية كانت تجري منذ زمن، وبدأنا في مرحلة جديدة تتغير فيها وجهة هذا التبادل التجاري في الطاقة والخامات الأخرى. مثلاً: تحول جزء كبير من إنتاج خامات الطاقة الروسية من الاتحاد الأوروبي جنوباً باتجاه الصين والهند وتركيا. بل إن الحديث الأخير حول إمكانية تحويل تركيا إلى مركز عالمي لتوزيع الغاز، يُعد حجر الأساس في عملية عالمية لإعادة ترتيب عمليات التبادل التجاري والمتحكمين في مفاصلها، من الاستخراج إلى النقل والتوزيع والتسعير وصولاً إلى أماكن استهلاك هذه الخامات. ما من شأنه إحداث آثار تاريخية على الخارطة الجيوسياسية العالمية بعد عقود من استقرارها نسبياً.

نحو مستقبل أكثر عدلاً

رغم اشتداد الصراع في 2022 وكل ما رافقه من صدامات عسكرية على جبهات متعددة، إلا أن ما يجري ما هو إلا مخاض إجباري، فنحن نعيش اليوم مرحلة انتقالية يتغير فيها شكل العالم الذي عرفناه لعقودٍ مضت وتعاد صياغة الاصطفافات على المستوى الدولي، فمجموعات ناشئة كمجموعة بريكس وشنغهاي تشهد تطوراً وتصبح مركز استقطاب، كونها تكتلات سياسية واقتصادية واعدة، وبدأت كثافة طلبات الانضمام إليها تزداد فرأينا انضمام إيران رسمياً إلى شنغهاي، وإعلان سعودي وجزائري عن رغبة في الانضمام إلى بريكس. كل هذا يقودنا بشكلٍ متسارع إلى عالم أكثر عدلاً، ويضيف مساحات واسعة جديدة بعيدة عن هيمنة واشنطن، وأداة نهبها الأهم- الدولار الأمريكي- ومن جهة ثانية، ترى الدول الصاعدة نفسها أمام تحديات كبرى لا يمكن إتمامها إلا بالانخراط الفاعل لكسر كل أدوات الهيمنة الغربية وحواملها في داخل هذه البلدان، ما يدفعها لإيجاد نماذج اقتصادية واجتماعية مغايرة، وبعيدة عن وصفات الليبرالية الجديدة والمؤسسات المالية المقادة أمريكياً، التي لم تحمل إلى من تبناها إلّا الخراب وانعدام العدالة. لن يكون 2023 العام الذي ستنجز فيه كل هذه المهام، لكننا وبكل تأكيد بتنا على السكة الصحيحة، والتي وعلى الرغم من طريقها الطويل والشاق إلّا أنها تتجه إلى مستقبل أكثر عدلاً ومساوة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1103
آخر تعديل على الثلاثاء, 03 كانون2/يناير 2023 16:44