موجة تصعيد جديدة على القوات الأمريكية في العراق.. لا تراجع عن إخراجهم
ملاذ سعد ملاذ سعد

موجة تصعيد جديدة على القوات الأمريكية في العراق.. لا تراجع عن إخراجهم

أعلن التحالف الدولي لمحاربة داعش- بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية- انسحاب كافة قواته «القتالية» من العراق في أواخر الشهر الماضي، إلا أن ذلك لم يؤد إلّا إلى ازدياد عدد وقوة الضربات العسكرية على القواعد العسكرية والمواقع التي تضم قوى أمريكية في البلاد، وذلك وسط خلافات سياسية حادة في الداخل العراقي تتعلق بالانتخابات وتشكيل الحكومة الجديدة.

الانسحاب الأمريكي والتصعيد الجديد

في الـ 27 من الشهر الماضي أعلن التحالف الدولي ببيان له أنه «اعتباراً من 9 ديسمبر/ كانون الأول، لم تعد هناك قوات أمريكية، أو قوات للتحالف تقوم بدور قتالي في العراق» وتابع «بالنسبة للقوات الأمريكية وقوات التحالف المتبقية في العراق، فإن المهمة الأساسية هي تقديم المشورة والمساعدة، وتمكين قوات الأمن العراقية من الحفاظ على الهزيمة الدائمة لداعش».
بدوره أكد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي خروج كافة قوات التحالف القتالية من البلاد، وفي الخامس من الشهر الجاري صرح أن القوات العراقية قد استلمت معسكرات البلاد كافة، إلا أن ذلك لم يرضِ أحداً من العراقيين، على اعتبار ما جرى التفافاً على القرار البرلماني الصادر في بدايات عام 2020 والقاضي بمغادرة جميع القوات الأجنبية من البلاد دون ذكر أي فصلٍ بين «قتالية» و«استشارية».
بناء على ذلك، صعدت المقاومة العراقية من وتيرة وحجم استهدافاتها العسكرية، فمنذ بداية الشهر الجاري وحتى الآن وقعت 9 استهدافات عسكرية لمواقع ومعدات أمريكية، منها أرتال الدعم اللوجستي بأماكن متفرقة، وقاعدة فيكتوريا في مطار بغداد، ومعسكر النصر في العاصمة، وقاعدة عين الأسد، وقاعدة بلد، والسفارة الأمريكية، وبمعدات مختلقة، منها: العبوات الناسفة وصواريخ الكاتيوشا والطائرات المسيرة.
في غضون ذلك، تحاول الحكومة العراقية الحالية تأريض هذه التوترات، وإدانة الضربات باعتبارها مهددةً للأمن وللاستقرار، ووسعت من نشاطها الاستخباري في محاولة للحد من هذه الاستهدافات.
وقد علقت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين بساكي، على هذه التطورات، معتبرةً أن ما يجري من تصعيد مرتبط بمفاوضات فيينا حول الاتفاق النووي الإيراني، وذكرى مقتل قاسم سليماني، وهو ما تحاول الولايات المتحدة الترويج له بأن حملة الاستهدافات القديمة والتصعيد الجديد مرتبط بطهران وحدها، وكأن العراقيين ومقاومتهم غير موجودين في المعادلة، ويحاولون إفراغها بهذا الشكل، إلّا أن العراقيين شعباً ومقاومةً لا يلبثون يؤكدون عزمهم وتهديدهم للقوات الأمريكية بحال استمر وجودهم في البلاد، فلعبة فصل القوات ما بين القتالية والاستشارية لن تنطلي على أحد، فضلاً عن أنه لم تصدر أية بيانات أو أرقام توضح ما متغيرات الوجود العسكري في العراق ما بعد إعلان انسحاب القوات القتالية منه، مما يثير المزيد من الشكوك.
وقد أعلن قائد التيار الصدري الفائز بالانتخابات التشريعية الأخيرة، مقتدى الصدر، أواخر الشهر الماضي، 12 شرطاً لاعتبار مهام التحالف الدولي منتهية فعلياً، منها: تحديد المقرات، وإخلاء القواعد العسكرية وتسليمها للجيش، وتحديد أعداد الأفراد المتواجدين في العراق، ومعرفة تحركات الأفراد الباقية من الداخل والخارج، وعدم استخدام الأجواء العراقية إلا بعد موافقة الحكومة، ومنع تواجد عسكري أمني داخل السفارة الأمريكية وغيرها. إلا أن هذه الشروط بدورها لم ترضِ الأطراف العراقية، وتعرض التيار الصدري لانتقادات عديدة على إثرها.
على أية حال، فإن جميع المؤشرات تدل على تسارع وتصاعد بحجم الاستهدافات العسكرية على القوات الأمريكية إلى حين خروجها جميعاً.

الانتخابات والحكومة الجديدة

لا تزال الصراعات إثر الانتخابات العراقية وتداعياتها ماضية قدماً، وقد بلغت درجة خطيرة أواخر الشهر الماضي وبدايات العام الجديد، حيث أُغلقت الطرقات، وجرى تكثيف لانتشار القوات الأمنية العراقية، وسط تحشيد شعبي عالٍ من مختلف الأطراف، تحديداً في 27 كانون الأول يوم إصدار المحكمة الاتحادية قرارها بالمصادقة على نتائج الانتخابات، لكن استطاعت مختلف الأطراف من أن تضبط نفسها، وانتقل التوتر بعدها إلى مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة الجارية. حيث تقام مشاورات ومباحثات حولها في هذه الأوقات، وتم انتخاب محمد الحلبوسي رئيساً لمجلس النواب، وقام الأخير بفتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية قبل أن تقوم المحكمة الاتحادية بإصدار قرار يوقف عمل هيئة رئاسة البرلمان إلى حين البت بدعوتين مرفوعتين حول قانونية جلسة التصويت، تقدم بهما النائبان باسم خشان ومحمود داوود، الأمر الذي يعكس جزءاً بسيطاً من التجاذبات الجارية.

واشنطن ترفع حدة التوترات

بالتوازي مع ذلك، تستمر واشنطن بتصريحاتها المتعلقة بمحاكمة صدام حسين، حيث قال السفير الأمريكي السابق في العراق روبرت فورد بأنها لم تكن مثالية، وأُعيد ذكر ونشر معلومات وتفاصيل حول عملية الاعتقال والإعدام، وتهدف هذه التصريحات بهذا الوقت لرفع حدة الاستفزاز والتوترات في الداخل العراقي، ومن جهة أخرى، تجري ملاطفة أطراف محددة موالية لواشنطن، منها مثلاً: إن الاتحاد الأوروبي قام برفع اسم العراق من قائمة الدول ذات المخاطر حول مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال، الأمر الذي يجري استثماره سياسياً وسط ترحيب من مصطفى الكاظمي.
وفضلاً عن ذلك، بعد ذكرى اغتيال سليماني وما تخللها من توترات داخل العراق، خرج وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو بتصريح في 15 كانون الثاني يشيد به بعملية اغتيال سليماني ويؤكد ضرورتها.

استهداف الصين

مع انخفاض وزن الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، والاتجاه المستمر بخفض عدد قواتها وتواجدها العسكري، وبدوره تراجعها السياسي أيضاً، تزيد الصين من حجم تعاونها مع العراق واتفاقاتها الاقتصادية والتجارية معه، لتبدأ مرحلة جديدة بهذا الأمر في الـ 29 من كانون الأول مع تعرض مقر شركة «زيباك» الصينية العاملة بالنفط في محافظة ذي قار جنوبي العراق لهجوم صاروخي وبالرصاص الحي من قبل مجهولين، وفي الـ 12 من الشهر الجاري تعرضت سيارتان تابعتان لشركة «سينوبيك» النفطية لهجوم بالرصاص الحي في محافظة ميسان، كان يقودها موظفون من الجنسية السودانية، وتقل أشخاصاً من الجنسية الصينية.
ويذكر أن الاستهداف الأول قد تم مباشرة قبيل توقيع وزارة النفط العراقية اتفاقاً مع الجانب الصيني وصفه الوزير بـ «أضخم مشروع لصناعة الطاقة في العراق» وتتراوح قيمته بين 8 و29 مليار دولار.
ورغم أنه لا يزال من غير الواضح بعد هوية المجهولين، إلّا أن المصلحة بذلك تشير بأصابع الاتهام إلى واشنطن وحلفائها بطبيعة الحال، وتحمل هذه العمليات رسائل تحذيرية، أقلها عدم طمأنة الشركات الصينية للعمل في البلاد.
إلا أن هذا الفعل بدوره يشير إلى ضعف واشنطن، حيث أن خطى التوتير وتفجير العراق لجعله غير مستقر ما بعد الانسحاب لا تبدو أنها تفعل المطلوب حتى الآن، لتلك الدرجة التي تتمكن بها شركات الصين من توقيع اتفاقات جديدة داخل البلاد، وتعمل بشكلٍ طبيعي، مما يفرض على واشنطن القيام بمثل هذه التحركات.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1053
آخر تعديل على الخميس, 20 كانون2/يناير 2022 18:34