إثيوبيا وواشنطن... وسياسة الأرض المحروقة

إثيوبيا وواشنطن... وسياسة الأرض المحروقة

تعتبر إثيوبيا قلب القرن الإفريقي، فهي بلد كبير يزيد عدد سكانه عن 120 مليون إنسان، ولكونها تلعب دوراً مهماً في الاستقرار السياسي والاقتصادي لإفريقيا، يحبس العالم أنفاسه مع تصاعد الصراع الداخلي الذي ترافقه أجواء شديدة التوتر، على المستوى الإقليمي والعالمي، واليوم، تنتظر العاصمة الإثيوبية أياماً عصيبة قادمة، هل يمكن إيقاف المأساة؟

عانت إثيوبيا- ثاني أكبر بلدان القارة الإفريقية- من ويلات الحرب الأهلية لسنين طويلة، لكنها اليوم وبعد سنوات قليلة من الاستقرار، باتت تخشى مصير سورية وليبيا، كما صرّح رئيس وزرائها آبي أحمد وهو يكشف وجود محاولات لفرض سيناريو مشابه لبلده، بعد أن توترت الأوضاع العسكرية والسياسية بشكلٍ متسارع خلال العام الماضي.

كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟

قدمت قاسيون سابقاً عرضاً تاريخياً موجزاً بهدف توضيح بذور الأزمة الحالية، والتي لا يمكن النظر إليها إلا بوصفها نتيجة طبيعية للحلول الشكلية التجميلية التي اعتمدها الغرب سابقاً في حل الأزمات السياسية والنزاعات العسكرية. فرئيس الوزراء الحالي كان قد قرر بشكل صادم تأجيل الانتخابات في شهر آب من العام 2020، مما أدى لردود فعلٍ واسعة، وخصوصاً أن تذرّع آبي أحمد بصعوبة إجراء الانتخابات في ظل انتشار فيروس كورونا لم تكن قصة مقنعة بالنسبة لكثير من القوى السياسية والقوى القومية الأخرى، التي قرأت خطوة رئيس الوزراء بمثابة «خروجاً عن الشرعية» وتجاهلاً لاتفاقات سابقة بين القوميات الأساسية في إثيوبيا. القصة لم تقف عند هذه النقطة، فكرد فعل على تأجيل الانتخابات قررت أقلية التيغراي التي حكمت البلاد طويلاً في وقت سابق، أن تتجاهل قرار آبي أحمد، وأجرت قيادات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي انتخابات في الإقليم الخاضع لها، وهو ما رأت فيه الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا مؤشراً خطيراً في سلوك جبهة تحرير شعب تيغراي، مما أدى في نهاية المطاف إلى شن حملة عسكرية كبيرة للسيطرة على مدينة ميكيلي عاصمة الإقليم، والتي انتهت في شهر تشرين الثاني 2020 بعد أن أعلن أحمد نجاح الجيش في المهمة الموكلة له.
ما لم يأخذه آبي أحمد في الحسبان أنه في هذه الخطوة، أنه أشعل الصراع مجدداً، لتنقلب الآية اليوم بعد أن عزمت قوات جبهة التيغراي على استئناف القتال، واستعادة السيطرة على الأرض، وانطلقت باتجاه العاصمة الإثيوبية.

أصابع واشنطن

لا شك أن آبي أحمد كان عند وصوله إلى الحكم محط اهتمام القوى الدولية، تلك التي تدرك أهمية الاستقرار في إثيوبيا بالنسبة لمصالحها، فأحمد وعلى الرغم الحفاوة الغربية التي لاقاها عند وصوله كان قادراً على تحقيق استقرار نسبي في البلاد، وعلى رغم الألغام التي كانت جاهزة للانفجار في أية لحظة، كانت إثيوبيا تسرع الخطى وتحاول تدعيم دورها الإقليمي، وتحقيق التنمية الضرورية لإزالة آثار الحروب والنزاعات الأهلية السابقة. لكن الحكومة الفيدرالية التي يرأسها آبي أحمد لم تكن تتمتع بالاستقلال الكافي، فيمكن رصد الكثير من الأخطاء الإستراتيجية في سياسية الحكومة التي جرى دفعها لتسوية الأزمة السياسية بطرق عسكرية فاقمت الوضع وأشعلت شرارة الحرب الدائرة اليوم.
الهجوم المضاد الذي قادته جبهة تحرير تيغراي كان كاسحاً، وانطلق من كونه محاولة لتحرير الإقليم من سيطرة القوات الفيدرالية، لينتقل إلى هدف جديد وهو إسقاط الحكومة في العاصمة، ويدعم الجبهة اليوم تحالف من تسع قوى أخرى وقعّت مؤخراً في واشنطن على وثيقة سياسية، وانضم إلى جانب قوات جبهة تحرير تيغراي المدربون والمتمرسون في القتال كل من قوات جبهة عفار، وحركة أغاو، وحركة بني شنقول الانفصالية، وأقلية الكومنت، وجبهة التحرير الوطني، وإقليم صوماليا، وحركة غامبيلا والأورومو. وما يجمع هذه الفصائل هو أنها حركات ذات مرجعية قومية، إما انفصالية، أو أنها ترى أن دورها في الحكم محدود. لكن المشترك الأهم بينها، هو وجودها في واشنطن في الوقت الذي كان يحاول مبعوث وزارة الخارجية الأمريكية للقرن الإفريقي جيفري فيلتمان إقناع الجميع بأنه يبحث خيارات التهدئة في إثيوبيا.

أهداف واشنطن التي يمثلها فيلتمان

قدمت واشنطن مبادرة تهدئة إلى الحكومة الفيدرالية، وجرى تقديم هذه المبادرة بوصفها خطوة جادة من فيلتمان نحو السلام، لكن الحكومة المركزية رفضت ما جاء في هذه المبادرة. وليس من الصعب إدراك الدافع وراء هذا الرفض. فالمبادرة الأمريكية وعلى الرغم من كونها تضع عناوين عريضة «للمفاوضات ووقف إطلاق النار» إلا أنها تثبت الوضع القائم، وتتجاهل مطالب الحكومة المركزية بضرورة انسحاب قوات جبهة تحرير تيغراي من الأراضي التي سيطرت عليها خارج الإقليم كشرط ضروري لهذه المفاوضات، بالإضافة إلى أن إثيوبيا لا تظهر ارتياحاً لوجود دور خارجي في هذه المفاوضات التي تراها شأناً داخلياً، وخصوصاً أن آبي أحمد كان قد وضع إشارات استفهام كبرى على دور واشنطن في «مفاوضات سد النهضة» ورأى أن واشنطن تؤجج الصراع بدل أن تجد له حلاً.

ما بين الأمر الواقع والمستقبل

تشير المعلومات الميدانية، إلى ضعف واضح لدى القوات الحكومة الفيدرالية في السيطرة على الأرض، وإضافة أطراف جديدة في الصراع تتوزع بين الشمال والجنوب سيزيد من صعوبة الوضع في المعنى الميداني العسكري، المشكلة الأكبر تكمن في وجود مؤشرات جدية على مخاطر من انقسام الجيش الذي لم ينجح آبي أحمد بعزله عن التجاذبات القومية، مما بات أحد أهم نقاط الضعف في كل مؤسسات الحكم. لا مؤشرات حتى اللحظة على نجاح مناصري آبي أحمد بفرض واقعٍ مختلف عن الواقع الحالي، فأحمد وعلى الرغم من إعلانه قانون الطوارئ ودعواته المواطنين لحمل السلاح استعداداً لمعركة الدفاع عن العاصمة في موقع صعب ولا يحسد عليه، ولابد له من البحث عن مخرج، يتفق الجميع، أن روسيا والصين ستكونان أكثر القوى الدولية تضرراً من حالة عدم الاستقرار في القرن الإفريقي، فهذا التوتر يمنع بكين وموسكو من تظهير نتائج العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي جرى بناؤها وتطويرها في إفريقيا في السنوات الماضية. لكن الوضع الحساس الحالي وحجم التدخلات لا يعطي صورة واضحة لما يمكن أن تحمله الأيام القادمة. فالاحتمالات المطروحة على الطاولة لا تضمن الاستقرار السياسي، فلا إن نجح آبي أحمد في قمع التمرد المسلح سيضمن النتائج اللاحقة، ولن يستطيع المتمردون ضمان أي شيء إذا ما سيطروا فعلاً على أديس أبابا. وهذا الوضع القلق مناسب جداً لواشنطن التي ترى أن إحراق إثيوبيا سيكون خياراً أفضل من رؤية تقارب ناضج بين آبي أحمد مع الصين وروسيا.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1043
آخر تعديل على الأربعاء, 10 تشرين2/نوفمبر 2021 11:44
No Internet Connection