مشروع الموازنة الأمريكية… رسائل جديدة للحلفاء قبل الأعداء

مشروع الموازنة الأمريكية… رسائل جديدة للحلفاء قبل الأعداء

أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن عن مشروع الميزانية الأمريكية الجديدة، وعلى الرغم من أن إقرار هذه الميزانية لم يحدث بعد، إلّا أن نقاشاً حاداً حولها انطلق بمجرد الإعلان عنها، فالميزانية التي تقترح إنفاق 6 تريليونات دولار في العام 2022 تحمل في تفاصيلها مؤشرات حول نوايا واشنطن على الساحة الداخلية والعالمية.

نحتاج لنقاش كافة جوانب الميزانية الأمريكية إلى مادة تفصيلية موسّعة، ولا يمكن الإحاطة بهذا الموضوع إلّا عبر البحث في كل التفاصيل التي يوردها مشروع الموازنة، لكن بعض النقاط تستحق التوقف عندها قليلاً.

ملامح عامة

تحاول الميزانية حسب التصريحات الرسمية تحسين البنية التحتية في الولايات الأمريكية، عبر توسيع الإنفاق ليصل إلى 85 مليار دولار، وتعلن الميزانية عن خطة لدعم الطبقات الوسطى، عبر توسيع الدعم الصحي وتأمين فرص العمل. وحول الطريقة التي تسعى الإدارة لتمويل هذا الإنفاق الهائل، تشير الميزانية إلى توجهٍ لرفع الضرائب على أصحاب الدخول العالية والشركات الكبرى، التي يفترض أن تغطي جزءاً من نفقات الموازنة، إلّا أن عجزاً في تمويلها يصل إلى 1.3 مليار دولار يتوقع أن يستمر إلى العقد القادم، حتى وإن تعافى الاقتصاد الأمريكي من نتائج كوفد-19. وإن كانت الخطة الأمريكية لتحسين البنية التحتية، والتي تشمل تطوير مطارات وسكك قطارات وحافلات النقل العامة تلقى تأييداً على المستوى الشعبي، إلّا أن الإدارة الحالية لم تقدم الإجابات الكافية للكونغرس الذي يفترض أن يقر مشروع هذه الموازنة، ويرى عددٌ كبير من المشرعين أن الميزانية باهظة جداً ولا تبدو واضحة في عدد كبير من جوانبها.

الميزانية العسكرية

شكّل الجانب العسكري من الموازنة الأمريكية مادة مهمة لكونه يجيب عن أسئلة ترتبط بتوجهات الإدارة الحالية على الساحة الدولية، فحتى وإن لم تُقر هذه الميزانية بشكلها الحالي، إنما يمكن من خلالها التأكيد مجدداً على ما تسعى إليه الولايات المتحدة في سياستها الخارجية، وكيف ترتب أولوياتها.
تشير بعض التقارير إلى أن الميزانية العسكرية الأمريكية «تفضل المستقبل على الحاضر» ويستند هذا الطرح إلى خفض في الإنفاق على بعض القطاعات، مثل: شراء السفن والطائرات، وهو ما شكّل صدمة لبعض القوى في الولايات المتحدة والتي كانت تأمل في ضخ جزءٍ من هذه الأموال في مصانع الأسلحة الأمريكية التقليدية، لكن توجه الإدارة الحالية يبدو أنه يركز على جانبٍ آخر، وهو مواجهة الصين، فالقلق الأمريكي يتعاظم من القفزات التقنية الصينية والتي يجري توظيفها في تطوير الجيش الصيني، مما يشكل تهديداً للهيمنة العسكرية الأمريكية، التي سبق أن تلقت ضربات متتالية منذ الإعلان عن الأسلحة الروسية فرط الصوتية المتطورة، والتي لم تستطع واشنطن حتى اللحظة مجاراتها. فالميزانية الجديدة تقترح إنفاق 715 مليار دولار تقول: إنه موجه نحو التنافس مع الصين من خلال التخلص من أنظمة الأسلحة القديمة والاستثمار في التقنيات الجديدة وتوسيع النفقات في أبحاث التطوير التكنولوجي.
بالإضافة إلى رصد 5,1 مليار دولار لصالح مبادرة الردع الذي أنشأها البنتاغون لمواجه الصين في منطقتي المحيط الهندي والهادئ، وهذه الأهداف التي تسعى الإدارة الأمريكية إلى التركيز عليها، وبغض النظر عن واقعية هذا الطرح أصلاً، لا بد لها أن تمر عبر طريق وحيد، وهو الانسحاب الأمريكي الواسع من منطقة الشرق الأوسط وأوروبا.

الانسحاب القادم

لابد لنا أن نذكر أولاً: أن الخطط الأمريكية للانسحاب ليست خطة جديدة، ولكنها تتبلور أكثر فأكثر، وإن كانت السنوات السابقة قد برهنت أن واشنطن تدرس جديداً انسحابها عسكرياً من مناطق واسعة بقي الخلاف حول كيف ستقوم بهذا الانسحاب والتراجع، وقبل أن يحسم هذا الصراع الأمريكي الداخلي، بدأنا نلحظ تغييرات في السياسات الخارجية لدول المنطقة، فالتواجد العسكري الأمريكي شكّل عباءةً لسياسات بعض الدول، وثقلاً حقيقياً بالمعنى الجيوسياسي لم يكن بالإمكان التحرك دون أخذه بعين الاعتبار، لكن الحديث المتكرر عن احتمال انسحاب واشنطن بشكل واسع وسريع من منطقتنا قلب الموازين، حتى قبل أن ينجز كلياً، فالميزانية الجديدة، تؤكد مجدداً على ضرورة خفض النفقات، وتقليص ما عرف باسم «النفقات الطارئة الخارجية» تلك التي غطت نفقات حروب واشنطن في العراق وأفغانستان بالإضافة إلى «الحرب الأمريكية ضد داعش» التي موّلت الوجود الأمريكي المسموم في سورية. لا بل إن الميزانية تقلص 800 مليون دولار إضافية من تلك الأموال التي رصدت لمواجهة روسيا في أوروبا. وتحاول واشنطن إلى جانب هذه الانسحابات والتمركز على حدود الصين تطوير برنامج الصواريخ لديها عبر رصد مبالغ كبيرة لهذا الهدف، لكن العقبات الموضوعة أمام هذا البرنامج يبدو أنها كبيرة جداً وخصوصاً أن الفجوة التقنية بين الصين وروسيا من جهة وواشنطن من جهة أخرى باتت أكثر اتساعاً.

نتائج الانسحاب قبل أن ينجز

الانقسام الداخلي في الولايات المتحدة سيرخي ظله الثقيل على مشروع الموازنة، ولا يمكننا القول إلّا أنّ صراعاً سيحدث داخل هيئات التشريع الأمريكية قبل أن يقر مشروع الموازنة إن تمّ أصلاً، لكننا معنيون أيضاً بالإجابة عن سؤال مهم: ما هي نتائج تكرار الحديث عن هذه التغيرات الجوهرية في السياسية الخارجية الأمريكية؟
كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يكرر يومياً، أنه لا يرى جدوى من تبذير أموال بلاده في «حماية حدود أوروبا من روسيا»، وباتت واشنطن تعيد النظر بكل الأموال التي أنفقتها على شيطنة روسيا في دول أوروبا وتصويرها على أساس أنها جارٌ خطر يجب وضعه عند حده! لكن بايدن والذي بدأ ولايته الجديدة بإرسال «الرسائل الطيبة» إلى أوروبا، وأكد لحلفائه أن «أمريكا عادت» يقول لهم اليوم: إنه يرى ضرورة لخفض الإنفاق العسكري الأمريكي في أوروبا، وأنه تماماً كخلفه لا يرى هذا أولوية أمريكية! كيف سينعكس هذا على سياسية أوروبا تجاه روسيا؟ هل ستمضي أوروبا بتمويل حرب واشنطن ضد روسيا على حدودها ومن دماء أبنائها؟ أم أنها ستفكر ببناء علاقاتها مع روسيا بشكل مختلف، تقوم على أساس احترام الجوار وبناء علاقات شراكة حقيقية؟ كيف يمكن أن تنعكس هذه الانسحابات على سياسية الخليج العربي التي قامت دائماً على أساس وجود المظلة العسكرية الأمريكية؟ هل تنجح إيران والسعودية أخيراً بالبحث عن حلول حقيقية بعد استبعاد التحريض الأمريكي؟
تطورات كبرى سترافق هذا الواقع الجديد، تطورات تتجاوز طرح الأسئلة عبر الفعل السريع وبناء شبكات علاقات تغني عن عنجهية واشنطن، تطورات تسمح بإيجاد صيغة جديدة لمنطقة إستراتيجية هامة تخرجها تدريجياً من فلك واشنطن لتكون جزءاً فاعلاً من عالمٍ جديد تقوده وتغطيه قوى جديدة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1020