عذراً طائر الـ«فينيكس» لا ينطبق على الظرف الأمريكي

عذراً طائر الـ«فينيكس» لا ينطبق على الظرف الأمريكي

تطول حلقات مسلسل الانقسام والتراجع الأمريكي، ومع أن أي مسلسل، بكثرة حلقاته، وتكرار المُكرر فيه، يفقده قدرته على تشويق المتابعين، ويدخلهم في حالة من الملل، بينما يأتي حدثٌ يشكل ذروةً جديدة في سياق القصة. إلا أن الحالة الأمريكية، ورغم الملل والتكرار، تجعل من هذا الأمر بحد ذاته كـ«استعصاء» عامل تشويق و«إثارة-Suspense»، تجعل المتابع متنبهاً لأيّة ذروةٍ جديدة قد تفتح باب القسم الأخير من القصة... نحو خاتمتها.

على الرغم من أن جزءاً هاماً من أي عمل درامي هو عدم توقع المشاهدين لكيفية مجرى الأحداث، وبالتحديد ختامها، فإن القصة الأمريكية تمضي تماماً مثل المتوقع، رغم محاولات العديد من المشاهدين الآخرين إنكار ذلك، أو تأويل وتحريف مجرى الأحداث بما يتلاءم مع أمانيهم وأوهامهم، فنجد مقالات تتغنى بالديمقراطية الأمريكية بأكثر لحظات فضحها، وتعرية الدكتاتورية والتلاعب الذي يختبئ خلفها- وصولاً إلى الرؤساء والرساميل الأمريكيين نفسهم- أو أن تمجد القوة الأمريكية بأكثر أوقات ضعفها، وأن تجعل من الانسحابات الأمريكية هجوماً، وأن تجعل من الانقسام والخلاف الداخلي وحدةً، ثم وأخيراً، أن تحاول إيهام الآخرين بأن التاريخ قد يعود إلى الوراء، تحديداً مع وصول إدارة بايدن إلى السلطة.

إن كل هذه الأحداث، وكل هذه الشخصيات ضمن الحبكة الأمريكية تعود إلى مؤلفها وكاتبها، حيث يكون هنا ما يسميه العلماء بـ«الواقع الموضوعي»، ومُخرجها هو «كيفية تطور هذا الواقع بتأثيراته وعلاقاته المتبادلة»، فعلى الرغم من أن بعض الشخصيات والكيانات كـ «ترامب/ بايدن» أو «جمهوري/ ديمقراطي» قد تحظى ببعضٍ من سلوكياتها وأفعالها بنسبةٍ ما من استقلاليتها عن مجمل مجرى القصة، وتخرج جزئياً وللحظات عن سياقها، إلّا أنها دوماً، وعلى طول الخط، تخضع وستخضع لمؤلفها ومخرجها.

مشكلة أولئك المتوهمين تكمن في عدم قراءة وفهم هذا الواقع وتطوره، مكتفين بمشاهدة ما يقوله المسلسل، وما يحتويه من شحنات توهم متابعه زيفاً بانتصارات وديمقراطية وقوة، وتجعل من الولايات المتحدة الأمريكية كطائر «الفينيكس» الأسطوري الذي يقوم مجدداً، بعد وفاته، من بين الرماد... متناسين أن عالم الأساطير، والدراما، والخيال، على أهمية معانيهم، لا مكان له في الواقع اليوم بالظرف الأمريكي، سواء محلياً أو دولياً.

ترامب VS العالم

عمدت إدارة ترامب على طول الخط على فتح جبهات مع جميع دول العالم، حلفاء وأعداء، بأكثر أشكالها قسوةً ووقاحة، دفاعاً عن مصالحها، وعن الولايات المتحدة نفسها- أمريكا أولاً- ضمن إستراتيجية التمهيد والاستعداد لمجريات الأزمة الرأسمالية الماضية قدماً نحو مزيدٍ من الانفجارات، ضمن خطةً بسيطة جداً، محاولة إضعاف جميع دول الخارج بلا استثناء، وتعزيز اقتصاد الداخل قدر الإمكان، إلا أن مشكلة هذه الخطة التي حالت بينها وبين تحقيق أدنى أهدافها، هو غياب القدرة والقوة الأمريكية على فرضها، إلى جانب وجود قوى أخرى دولية باتت أقدر وأقوى منها دولياً، فهنا تحديداً، على العكس من طموحات الشخصية الأمريكية، للمخرج رأيٌ وطريق مختلف، لتنتهي فترة ترامب بقائمة طويلة من الهزائم خلف عناوين انتصاراتها، وليصبح مؤخراً أحد أول أهدافه، تعقيد الظروف لا على القوى الدولية الخارجية فحسب، إنما على أعدائه في المعسكر الآخر من الانقسام الأمريكي داخلاً، المتمثل الآن بإدارة بايدن.

بايدن و«العودة بالزمن»

يجري تسويق الرئيس الأمريكي الجديد بوصفه منقذ الولايات المتحدة الأمريكية، ومن سيعيد لها مجدها الذي انتزعه ترامب، بأنه سيمحو الأربع سنوات الماضية، ويكمل طريق أوباما السابق، بيد أن الواقع في مكان، وهذه الأوهام في مكانٍ آخر، حيث باتت جميع العناصر في مكانٍ مختلفٍ تماماً عمّا كانت عليه قبل 4 أعوام: روسيا، الصين، إيران، تركيا، الاتحاد الأوروبي، الأزمة الرأسمالية، التضعضع والانقسام الأمريكي... إلخ إضافةً إلى أهمها: الحركة الشعبية دولياً، وما اكتسبته من خبرات ووعي جديد مضاف إلى تجاربها، فلا يمكن للسيد بايدن وإدارته، مهما شاء وتمنّى، أن يعيد التاريخ، لا مكان لاختصار الـ«CTRL+Z» هنا، حيث سيعمد إلى المناورة بين المؤلف والمخرج، إلا أنه سيمضي ويقود الولايات المتحدة الأمريكية في المحصلة- على اعتباره رئيساً لا أكثر- نحو المزيد من التشرذم والتراجع.

«هايدرا» أمريكية تأكل نفسها

الـ«هايدرا» واحدٌ من وحوش الأساطير الأخرى، كائنٌ بتسعة رؤوس. الهايدرا الأمريكية لها رأسان فقط؛ طرفا الانقسام، تتصارع فيما بينها وتضعف نفسها بنفسها، بما يبدو أنه استعصاءٌ مديد وطويل، ينتصر فيه رأس على آخر، بينما يعاود الأخير الانقضاض، إلّا أن ما يغيب عن بال المشاهد، هو أن لهذين الرأسين جسماً واحداً تتقهقر قواه كلما طال هذا الاستعصاء، نحو موته من شدة الانقسام الحاصل وتطوره، وهذا ما يجعل من روتين وتكرار الحبكة التي تبدو مملة، مشوقاً! فعذراً، لا «فينيكس» بالظرف الأمريكي هنا.

شبح «الاشتراكية/ الشيوعية»

قال ترامب يوم الأحد في حديثٍ لمؤيديه في ولاية جورجيا: «سيحدد الناخبون في جورجيا، ما إذا كان أطفالنا سيعيشون في ظل الاشتراكية أم في بلد حر» ومضيفاً بعدها بقليل «هؤلاء الناس يريدون الانتقال إلى الشكل الشيوعي في الإدارة».
إن حديث ترامب حول «التهديد الاشتراكي والشيوعي» علانيةً وبهذا الشكل ليس جديداً، وإنما مكرراً بكثرة، وسيكون من المضحك جداً أن يظنّ أحدٌ ما بأن أيّاً من هذين التهديدين قد يأتي من «الديمقراطي الأمريكي»، على الرغم من وجود البعض من المحللين المهرجين الذين يدفعون بها.

إن أقاويل ترامب، والمحللين من قبله ومن بعده ممن يتماشون معها، يعتمدون في تصريحاتهم وكتاباتهم على إرث ومخلّفات الرعب من الاشتراكية، التي أنتجتها وعمقتها الإدارات الأمريكية منذ قيام الاتحاد السوفييتي، في العقلية الشعبية للأمريكيين- بغض النظر عن مدى واقعية هذا الرعب لدى الشعب نفسه، إن لم يكن عكسه- في محاولة للإضرار بتيار بايدن ومن خلفه شعبياً، وسياسياً، إلا أنها وفي الوقت نفسه تحمل تخوفاً حقيقياً ومشروعاً بالنسبة لكل النخبة الأمريكية بطرفيها، لا ترامب وحده، من أن هذا المسلسل يمضي بهذا الاتجاه بعد انغلاق الأفق و«الربح» أمام الماكينة الرأسمالية، عبر حملها والدفع بها من قبل شخصيةٍ أخرى تنشطت وتحركت منذ نحو عقدٍ من الآن، وتتجه نحو اتخاذ الدور الرئيس فيه، تدعى الشعوب.

معلومات إضافية

العدد رقم:
995