قراءة أولية في حادثة فلويد- بوعزيزي الولايات المتحدة!
علاء أبو فراج علاء أبو فراج

قراءة أولية في حادثة فلويد- بوعزيزي الولايات المتحدة!

تتصاعد الاحتجاجات في الولايات المتحدة الأمريكية على إثر جريمة قتل جورج فلويد في مدينة مينيا بوليس، في يوم الاثنين 25 من شهر أيار الماضي، لتبدأ هذه الاحتجاجات في ولاية مينيسوتا وتنتقل بعدها إلى عدد من الولايات التي فرض حظر تجول في خمس منها حتى الآن، في محاولة لاحتواء الاحتجاجات التي بدأت بشرارة تشبه محمد بوعزيزي في تونس، ولا نعرف أين ممكن أن تنتهي.

ترتبط الأحداث التي تشهدها الولايات المتحدة بسلسلة من أحداث العنف التي تتشارك فيما بينها باستخدام قوات الأمن والشرطة الأمريكية العنف المفرط وغير المبرر في كثير من الأحيان، هذا بالإضافة إلى أن هذه الأعمال الوحشية غالباً ما تأخذ طابع التمييز العرقي، إذ تتكرر الحوادث التي يشترك ضحاياها بكونهم أمريكيين من ذووي البشرة السوداء، وإذا كان التمييز العنصري يظهر في الكثير من مفاصل الحياة والتاريخ الأمريكي القديم والراهن، إلا أن هذه القضية باتت من أكثر صواعق التفجير خطراً وهو ما لا يغيب عن الكثير من نخب السياسة الأمريكية.

لماذا قتل جورج فلويد؟

جورج فلويد رجل أمريكي الجنسية في منتصف العقد الرابع من العمر، فقد أسوة بملايين آخرين عمله نظراً للإغلاق الرسمي الذي فرضته الحكومة الأمريكية، والذي اتخذ من كورونا ذريعة للتغطية على عمليات الإغلاق الهائلة الناجمة عن أزمات أعمق وأبعد تتعلق بالدَّين والنفط، وعلى الرغم من أن هذا الإجراء كان الأكثر اتباعاً في التصدي لوباء فيروس كورونا المستجد، إلا أنه في مكان بقسوة الولايات المتحدة حمل معه المآسي لكل الذين لم يستطيعوا إعالة أسرهم، نظراً لغياب دور الدولة الداعم والذي انصب على دعم الشركات، وترك المواطنين يواجهون الجوع والعوز والمرض.
قصة فلويد بدأت عندما ذهب إلى بقالية بجانب مكان سكنه ليشتري علبة سجائر، لكن البائع شك بأن ورقة الـ 20$ التي يحملها فلويد كانت مزورة، وطلب من الرجل أن يُعيد علبة السجائر إلا أن فلويد رفض طلب البائع الذي قام بإبلاغ الشرطة، بعد قليل من الوقت وصلت الشرطة واعتقلت فلويد الذي كان لا يزال في المكان نفسه يجلس بصحبة بعض الأشخاص، وأبلغته الشرطة بأنه رهن الاعتقال بسبب «ورقة نقدية مزيفة»، بعد بضع دقائق قام أحد رجال الشرطة بدفع فلويد إلى الأرض ليضع ركبته فوق رقبة الرجل الذي حاول الاستغاثة، وقال بصوت مسموع: إنه لا يستطيع التنفس إلا أن الشرطي لم يقم بأي إجراء حتى عندما توقف فلويد عن الحركة، ليتبين لاحقاً أنه فارق الحياة. المفارقة أن هذه الحوادث تحصل بشكل متكرر بل الأكثر من ذلك، أن إيرك غارنر قضى بنفس الطريقة عام 2014، إذ حاول رجال الشرطة اعتقاله لبيعه الدخان دون ترخيص.
والقول بأن هذه الحوادث متكرر وباتت جزءاً من المشهد لا يعني إطلاقاً أنها مقبولة، ولكن ردات الفعل عليها تختلف بين فترة وأخرى، وبات واضحاً للجميع أن الولايات المتحدة تعاني من أعلى درجات الاحتقان في هذه الفترة، نظراً للنتائج الكارثية التي ترتبت على نسب البطالة المرتفعة والاستياء من الأوضاع الصعبة التي يعيشها كل العمال بالأجر وفقراء البلاد، وهذا يجعل الأمور جاهزة للانفجار ويحمل معه سيناريوهات تنبئ بمواجهات دموية.

الحرس الوطني وورقة الجوكر

يشكل الحرس الوطني الأمريكي جزءاً أساسياً من القوات المسلحة في البلاد، ولنستطيع أن نفهم الدور الذي يجب على هذه القوات أن تلعبه، علينا أولاً أن نعرف وظيفتها وهي تحديداً التصدي للتمردات المسلحة داخل الولايات المتحدة، بالإضافة للاستجابة للكوارث الطبيعية والصحية، وكانت هذه القوات عبارة عن مجموعة من الميلشيات التي بدأت محاولة تجميعها ضمن إطار قانوني لتصبح قوات عسكرية مدربة خاضعة لسيطرة سلطة الولايات والسلطة الفدرالية، إذ يحق للرئيس استخدام هذه القوات عند الحاجة لها، وتتقاطع طبيعة هذه القوات مع الكثير من القوات المسلحة التي لعبت دوراً محورياً في ضبط احتجاجات أو انتفاضات في بلدان متعددة، فهي قوات تلتزم اللباس المدني في الأوقات العادية، ولا يمنع أعضاؤها من ممارسة حياتهم المدنية والمهنية، ويكون وجودهم ضمن هذه القوات بوصفه «عملاً جزئياً»، هذا ما يجعل منها ذراعاً عسكرية معدة للاستخدام الداخلي على الرغم من أن أفرادها شاركوا سابقاً بمعارك خارج البلاد.
يجري دفع قوات الحرس الوطني لضبط الأمور، وهو ما يصر عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تم نشرها حتى اللحظة في 11 ولاية، وعلى الرغم من التصريحات بأن لا نية حتى الآن لاستخدامها على المستوى الفدرالي العام، إلا أن هذا الخيار لم يعد مستبعداً، وهو ما يحمل ضمنياً احتمالات صدام مسلح بين جهات وفئات لا تظهر بوضوح على مسرح الأحداث بعد.

الانقسام وآثاره

ضمن ما يجري اليوم شغلت «معركة» ترامب مع موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» وسائل الإعلام، وما جرى يستحق الوقوف عنده؛ فقد قامت إدارة الموقع بحجب تغريدات للرئيس الأمريكي معلنة أنها انتهاك لسياسة الموقع، مما دفع الرئيس الأمريكي إلى التوقيع على أمر تنفيذي لرفع الحصانة عن وسائل التواصل الاجتماعي، وجرى حجب تغريدة أخرى أعلن الموقع أنها «تمجيد للعنف» بعد أن «غرّد» ترامب بإمكانية استخدام العنف والرصاص في مواجهة الاحتجاجات والسرقات.
لا يمكن نقاش هذه المسألة بشكل مختصر لأنها تحمل دلالات كبيرة، ويمكن الإشارة إلى أن الانقسام الأمريكي الذي بات عنوان الحقبة التي تعيشها «الإمبراطورية» بات يفرض على كل الأطراف استخدام كل الأوراق التي يستطيعون الضغط بها على خصومهم، فترامب الذي يستخدم توتير بشكل كثيف وإشكالي منذ توليه الحكم، يشكل عينة واحدة من آلاف السياسين الذين يستخدمون هذه المواقع ووسائل الإعلام التي يملكونها للتضليل حيناً، ودفع الأمور باتجاه مصالحهم حيناً آخر، وإن حرب «الأخبار المزيفة» والاتهامات المتبادلة حولها يجعل من وسائل الإعلام - وبشكل معلن هذه المرة – أدوات تعمل بشكل معلن لطرف في مواجهة طرف آخر، وهو ما قد يحمل معه الكثير حول مستقبل وسائل الإعلام في الولايات المتحدة، والشركات الكبرى، مثل: تويتر وفيسبوك وغوغل والتي باتت مخازن معلومات ضخمة لم تعد هناك إمكانية لأن تعمل في الظل.
بداية حكم ترامب كانت إعلاناً عن درجة انقسام حاد، وكان هذا الانقسام يتمظهر في الحملة الانتخابية بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، ولكنه انقسام شديد بين النخب السياسية، وإن كانت «أمنيات» أوباما في اللقاء البروتوكولي الذي جمعه بالرئيس الجديد بأن ينجح الأخير بالحفاظ على وحدة البلاد بدت غير مفهومة للبعض، إلا أنها اليوم تبدو أكثر وضوحاً، فالاحتجاجات التي تجري اليوم باتت تحدّياً جديداً أمام الإدارة الحالية بل وأمام البلاد كلها، والشكل الذي يحاول ترامب ضمنه احتواء هذه الاحتجاجات سيصب الزيت على النار، خصوصاً إن علمنا أن ملايين العاطلين عن العمل لن يظلوا في بيوتهم غير آبهين بمستقبلهم، بل سيخرجون اليوم وغداً إلى أن يجدوا مخرجاً. وإن كان ترامب وغيره من النخب يستهجنون السرقات التي تجري فهي مشاهد فريدة قد لا تُنسى، فالناس في الشوارع يكسرون واجهات المحلات و«يتسوقون» حاجياتهم التي حرموا منها، فإن ترى رجلاً يترك دراجته في الشارع ليقتحم متجراً دون أن يقلق من أن يسرقها أحد من المجتمعين في الخارج، يوحي وكأن قيماً وأخلاقاً جديدة يحملها هؤلاء لن تحمل لنا الحل بشكلها هذا بالطبع، ولكنها تهز منظومة كاملة بلا شك.

معلومات إضافية

العدد رقم:
968
آخر تعديل على الإثنين, 01 حزيران/يونيو 2020 14:44