«حلف الناتو»  والعواصف القادمة
علاء أبو فراج علاء أبو فراج

«حلف الناتو» والعواصف القادمة

سببت تصريحاتٌ جديدة للرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون حول حلف الناتو، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والدبلوماسية العالمية، ولاقت هذه التصريحات ردوداً سريعة، فوجَّه الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، دعوة إلى الدول المنضوية ضمن الناتو لـ «تحمل المسؤولية» وإيجاد حل للمشاكل العديدة المتعلقة بـ «الأمن الجماعي» لهذه الدول.

رأى الأمين العام للحلف الناتو أن ما يجري بين الدول ما هو إلا خلافات عادية ويجب حلها، على الرغم من أن ينس ذكر قائمة طويلة لهذه الخلافات والتي شملت حسب تعبيره التجارة، والطاقة، والمناخ، والملف الإيراني، وحول العدوان التركي على سورية ولكنه اعتبر أن اختلاف المواقف أمرٌ طبيعي بين «29 ديمقراطية» في إشارة إلى الدول الـ 29 المتحالف ضمن الناتو

«حلف لا يضبط أعضاءه»

نشرت مجلة «ذي إيكونوميست» مقابلة مع ماكرون يوم الخميس 7 تشرين الثاني، قال فيها إن «ما نعيشه حالياً هو الموت الدماغي لحلف شمال الأطلسي»، وعبّر عن وجود مشكلة تنسيق بين أعضاء الحلف، منتقداً انسحاب الولايات المتحدة من الشمال السوري دون أن تناقش قرارها الإستراتيجي هذا مع «شركائها في الحلف»، وأضاف إن دول الناتو تشهد «عدواناً من شريك آخر في الحلف، تركيا، في منطقة باتت مصالحنا فيها على المحك، من دون تنسيق» وهذا يعني برأيه أن «الحلف الأطلسي كنظام لا يضبط أعضاءه. وانطلاقاً من اللحظة التي يشعر فيها أحد الأعضاء أن من حقه المضيّ في طريقه، فهو يقوم بذلك. وهذا ما حصل» كل هذا يدفع أوروبا حسب وجهة الرئيس ماكرون لأن تجد لنفسها استقلالية، وأن تفتح «حواراً إستراتيجياً مع روسيا». وذكر ماكرون المخاطر التي تهدد أوروبا اليوم، ومن بين ما ذكره، أن الولايات المتحدة اليوم باتت منفصلة عن «المشروع الأوروبي» وبأن النهوض الصيني المتسارع بات «يهدد» بعالم متعدد الأقطاب مما سيهمش أوروبا بشكل واضح حسب تعبيره.
ردت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على تصريحات الرئيس الفرنسي، وقالت «لا تتطابق وجهة النظر هذه مع وجهة نظري»، أمّا الكريملين فقد امتنع عن الخوض في تشخيص وضع الناتو، وقال الناطق الرسمي باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف: «ليست مهمتنا أن نقرر ما إذا كان الناتو حياً أو ميتاً، وما هي أجزاء جسم الحلف التي دخلت في غيبوبة. لسنا أخصائيين في الطب الشرعي».

«نذير الشؤم»

تصريحات ماكرون الإشكالية ليست حدثاً جديداً، فالرئيس الفرنسي تحدث في عدة مناسبات حول ضرورة إنشاء «جيش أوروبي حقيقي»، ونصح القوى الأوروبية بتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة الأمريكية، وفي تموز من العام الجاري بات خطاب ماكرون أكثر وضوحاً، فصرّح أنَّ عصر الهيمنة الأمريكية ينتهي مشيراً إلى ظهور قوى جديدة على الساحة الدولية.
الأساس اليوم، ليس الغوص في التفاصيل لمحاولة فهم تصريحات ماكرون، والتي تعد في جزئها الأكبر تكراراً للرسائل الأمريكية، ولكن بلغة أوروبية مفهومة، فهناك تيارٌ واضح في السياسة الأمريكية يسير باتجاه الإنكفاء، وعلى الرغم من المقاومة التي يواجهها هذا التيار في الداخل الأمريكي، إلا أننا بتنا نرى خطوات ملموسة، وما يفعله ماكرون ليس إلا الإشارة إلى وقائع تجري على الأرض.
أمريكا باتت تتذمر بشكل متزايد من الفاتورة الباهظة لـ «حل مشاكل الآخرين»، وتركيا، وهي القوة البرية الأبرز للناتو، تنسق نشاطها العسكري مع روسيا «عدو الناتو» أكثر مما تنسق مع «شركائها» الأوروبيين، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن القوتين العسكريتين الكبريين ضمن الناتو هما أمريكا وتركيا، فسنرى حجم المشكلة الحقيقية التي يواجهها الحلف اليوم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
939
آخر تعديل على الإثنين, 11 تشرين2/نوفمبر 2019 11:41