حل الأزمات...نحو إفريقيا أيضاً
جواد محمد جواد محمد

حل الأزمات...نحو إفريقيا أيضاً

في الأيام القليلة الماضية بزغت في الأفق ملامح توافق جدي فيما يخص المعضلة المزمنة بين أريتيريا وأثيوبيا، والركون الكامل لاتفاق الجزائر مع مواصلة الحوار في القضايا التي مازالت عالقة والتي تخص بعض النقاط الحدودية الحساسة.

إن أهمية اللقاء تأتي من كونه جرى بين قيادة البلدين في أسمرة، أي: أن حصوله في أحد بلدي الصراع يوحي بدرجة ما من الاستقلالية والتوافق بين الجانبين، بالإضافة إلى الإعلان عن فتح الحدود بينهما الأمر الذي يعتبر جديداً ومهما خاصةً لإثيوبيا التي لا تملك منفذاً بحرياً.
لمحة تاريخية
لفهم الخلاف التاريخي بين البلدين ومآلات الحل، لا بد من الوقوف عند بعض الحقائق التاريخية والجغرافية في هذا السياق.
أريتيريا بلد تبلغ مساحته قرابة 120 ألف كيلو متر مربع، ويتجاوز عدد سكانه الـ5 ملايين نسمة، كما يبلغ الناتج المحلي الإجمالي قرابة 4 مليار دولار أمريكي، وهي تمتاز بموقع جغرافي جيد، إذ يمكن اعتباره نقطة عبور في البحر الأحمر ولكنه ليس مفتاحياً، وكانت قد استقلت عن إيطاليا في عام 1941 فيما استقلت عن إثيوبيا في مطلع التسعينيات.
في المقابل فإن إثيوبيا التي تبلغ مساحتها 1,1 مليون كيلومتر مربع، وثاني دولة من حيث عدد السكان في إفريقيا بعد نيجيريا حيث يفوق عددهم ال100 مليون نسمة وينتجون ما يقارب 94 مليار دولار، تفتقر إلى وجود منفذ بحري خاص بها الأمر الذي يعتبر نقطة ضعف.
وكان جزءاً من الصراع بين الجانبين يتمثل في وجود دولة كبرى تفتقر للسواحل تجاور دولة أخرى أصغر بكثير، وتمتلك ساحلاً طويلا في منطقة مهمة نسبياً في الملاحة البحرية. لكن المحرك الأساس للصراع بين الجانبين يتمثل في تأجيجه من قبل تلك القوى الدولية التي كانت تحتاج إلى ما يبرر تواجدها العسكري في تلك المنطقة الحساسة نسبياً في إفريقيا.
استقلت أريتيريا عن إثيوبيا في مطلع التسعينيات، ومن ثم بدأت حرب بين الجانبين في عام 1998 عندما شن الجانب الأريتيري هجوماً عسكرياً على إحدى المناطق المتنازع عليها، لتنتهي في عام 2000 بما يعرف باتفاقية «الجزائر» بين الجانبين، التي تضمنت اتفاقاً لوقف إطلاق النار مع بعض التحفظات من الجانب الإثيوبي، الذي دعا إلى تفعيل الحوار في بعض تفاصيل الاتفاق، فيما دعا الجانب الأريتيري إلى تطبيقه فوراً دون أية إجراءات إضافية.
مؤخراً جرت عدة لقاءات بين الجانبين، كان أهمها: بين الرئيس الأريتيري ورئيس الوزراء الإثيوبي في العاصمة الأريتيرية أسمرة، حيث تم الإعلان عن سلسلة اتفاقات بين الجانبين، أهمها كان السياسي منها.
إفريقيا .. نحو تأريض الأزمات
لا يمكن الجزم بأن الخلاف بين أريتيريا وإثيوبيا قد حُل تماماً، ولكن ما يمكن التأكيد عليه هو التالي:
أولا: إن الظهور الإماراتي على الخط إعلامياً لا ينفي وجود دور وسيط لها في حل الخلاف، ولكن تحميل كل ما جرى على أنه من نتاج الجهود الإماراتية هو أمر صحيح في الجوهر.
ثانياً: إن العوامل الأساسية في مضي الأمور نحو الحل، هي أولاً: التغيرات الجدية في الأوزان الدولية التي تؤرّض ذلك الجهد الموجه نحو التأزيم، وثانياً: التجربة السياسية المريرة والطويلة للبلدين في الاستعداء المستهلك والمستنزف والذي لا طائل منه.
ثالثاً: نعتقد أن الذي جرى هو امتداد للجهود الدولية التي تقودها روسيا والصين، والتي تخلق الأجواء للقوى الدولية كافة للبحث في خيارات أخرى غير تلك التي كانت قد فرضتها الأجواء القديمة، بالتالي لا نستبعد تكرار نفس السيناريو في السودان ونيجيريا والكونغو.
إن منطق القوى الدولية الصاعدة– ولا سيما الصين منها- في التعامل مع القارة الإفريقية يتمثل في رفع القارة بأكملها، من خلال المشاريع التنموية والتمويل غير المشروط، وهو ما يعزز الطريق المؤدي إلى الهدف المذكور في تأريض ما أمكن من الأزمات السياسية والعسكرية في القارة.
الأمر الذي يسرع بدوره إنجاز تلك المشاريع التنموية في البنية التحتية ويسهل عمليات الإنتاج الجدية، ورفع قدرة سكان القارة على الاستهلاك، والنتيجة هي مزيد من الاستقرار.