عن مصر.. ورأس المال.. والأزمة العميقة

عن مصر.. ورأس المال.. والأزمة العميقة

لا تزال مستمرة محاولات قوى رأس المال والفلول في مصر تثبيت وضع البلاد اقتصادياً عند حدود اقتصاد ريعي غير منتج، يعتمد على القروض بطريقة مستدامة، وعلى المعونة الخارجية، بحيث يتحول الاقتصاد المصري والمجتمع معه لمفرخة مالية لتغذية المراكز المالية الدولية، ومعها القوى التابعة لها في المراكز المالية الداخلية.

 

مع كل قرض جديد، يُخلق التزام جديد على عمال ومنتجي مصر يجب سداده لجيوب أصحاب البنوك الدوليين، والوكلاء الداخلين، مما يعني أن سياسة المعونة والقروض، هي بهدف خلق عرض مالي كبير يؤدي للتضخم، وهي فاتورة غير مباشرة على الأسعار يدفعها المصريون، وأيضاً فاتورة خدمة الدين, أي أن الاقتراض لا يزعج من يملك الأموال، لأن كل عملية اقتراض يتبعها خلق نقدي جديد وأرباح جديدة وهذا ما تقوم عليه المنظومة المالية المصرية.

مبررات نيولبيرالية عفا عليها الزمان

قال الرئيس المصري في خطابه خلال افتتاح معمل للغاز الطبيعي في مصر أن إيرادات الدولة المصرية غير قادرة على تغطية المصروفات التي تتوزع في مصر، بحسب بيان الموازنة للعام 2016-2017 على الشكل التالي: 49% خدمة الدين العام الذي يبلغ 2 ترليون داخلي و58 مليار دولار خارجي، وتقدر خدمة الدين حوالي 292 مليار جنيه، بزيادة 51% عنه في السنتين الماضيتين، أما الأجور فـ228 مليار جنيه، بزيادة اسمية طفيفة، ودعم ومنح ومزايا اجتماعية بـ210 مليار جنيه، أي بانخفاض قدره 5% مقارنة بموازنة العام الفائت التي كان يشكل فيها الدعم 27%. (حسب موقع cairoportal)

ولا يجد مسؤولون مصريون ضيراً في القول أن المشكلة تكمن في الدعم، كدعم الكهرباء، وأن الحل يكون بتخفيض الدعم، أو كما يقال ليبرالياً، إعطاء الدعم لمستحقيه، لكن وبالنظر إلى قائمة إيرادات الموازنة للعام 2016 فإن إيرادات الدولة من الضرائب على المبيعات أو الضرائب غير المباشرة شكلت 31% من إجمالي الإيرادات، وهو إيراد يعادل أو ربما يزيد عن مبلغ الدعم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن نسبة 20% من الشعب المصري الواقعة تحت خط الفقر تعتمد بشكل مطلق على الدعم، وبمجرد تخفيضه يعني حصول كارثة كبرى لفئة قد تصبح شرياناً لأكبر عملية فوضى في التاريخ المصري.

أزمة غير منتهية من الدين

ما يرتفع في مصر عملياً هو فاتورة خدمة الدين، أي أن الحكومة أصبحت مجبرة على تخفيض مصروفاتها لأجل خدمة الدين، وطبعاً الحكومة التي يبدو أنه لا يزال يشكل رأس المال جزءاً أساسياً مسيطراً على قرارها بالمعنى السياسي، وتمثل أصحاب الأموال بالمعنى الاقتصادي، لن تقترب من أموال الأغنياء، بل ستمد يدها إلى الدعم الهزيل والأجور الهزيلة لتسديد الديون وفوائدها، وستضطر الحكومة مجدداً للاستدانة، وتحميل الناس فاتورة الدين في عملية غير منتهية من الاستدانة، التي كانت دائماً بهدف تمويل المصروفات الاستهلاكية التي تشكل بحسب موازنة 2016 أكثر من 85%، بينما شكلت المصروفات الاستثمارية بحدود 107 مليار جنيه أي 15% تقريباً.

لم يستفد الشعب المصري من الديون طوال تاريخه، بل كانت دائماً سيفاً مسلطاً على رقبة قراره السياسي، ففي عام 1991، باعت مصر قرارها السياسي بالموافقة على التدخل الأمريكي في الكويت بإسقاط ديونها من خلال نادي باريس، فما السعر الذي ستطلبه القوى العالمية اليوم في ظل ارتفاع أزمتها؟

رفع الدعم حتى العام 2018.. هل يمر؟

في البيان المالي للعام 2016-2017، يفترض المشرع المصري تخفيض الدين من نسبة 92% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى 83%. إلا أنه ووفق الاتفاق الجديد مع صندوق النقد الدولي فلن يجري تخفيضه بأكثر من 98% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الحالي إلى 88% في السنة المالية 2018-2019.

ورغم ذلك يهمل المشرع الاقتصادي المصري جانب انخفاض سعر الصرف مقارنة بموازنة الأعوام السابقة، مما يجعل المتشككين يقولون أنه وبالرغم من خطة التقشف، سيرتفع الدين العام المصري الخارجي المقوم بالجنيه المصري، لتصبح 100% في عام 2018، على عكس خطة الحكومة التي جعلت رفع الدعم نتيجة لزيادة العجز. في الحقيقة، إن رفع الدعم هو إجراء سياسي اقتصادي يهدف إلى رفع العرض المالي والتضخم والديون التي سيجني منها المرابون الدوليون والمحليون مليارات الجنيهات على حساب شرائح الفقر المصرية.

«قرض ليس ككل قرض»

تخوف المصريون جداً من القرض الجديد، ومن شروط البنك الدولي الذي يكتسب عملياً من قرض 12 مليار دولار لأغراض استهلاكية، سيدفع بيد الوكلاء المحليين ليشتروا بضاعة لا يحتاجها المصريون، وليدفع بعدها المصريون من ثمن بضاعتهم فوائدها (1.5% سنوياً على المستوى البعيد).

أي أن قروض البنك الدولي وشروطه، كتخفيض الدعم وتخفيض عدد الموظفين الحكوميين (1.5 مليون موظف مطلوب تسريحهم)، لا تشبه القرض الروسي لتمويل محطة الضبعة النووية البالغ 25 مليار دولار، على سبيل المثال، وهو القرض الذي لم يعترض عليه أحد، لأنه فعلياً بلا شروط، ويهدف لتحقيق الأمن من الطاقة، ومستقبلاً من الصناعة والزراعة. 

الإيراد الضريبي في مصر

شكلت الضرائب في مصر، وهي ثلاثة أنواع: الضرائب المباشرة على الدخل، والضرائب على المبيعات التي يجري تطويرها لتصبح ضريبة قيمة مضافة موحدة على أسعار الاستهلاك والخدمات، والضرائب المتحصلة من قناة السويس وممتلكات الدولة، عمود الضرائب المصرية. أما ضريبة المبيعات، فهي تعادل الدعم المدفوع، وهي تحصل من المصريين بشكل غير مباشر عبر المواد الاستهلاكية، أما ضريبة الدخل فهي تشكل 50% من إجمالي الضرائب. وتقول تقديرات اقتصادية مصرية، أننا إذا نظرنا إلى توزيع الضرائب في مصر، فسنجد أن 56% من الضرائب يدفعها العمال والموظفون، بينما تدفع ثلاث هيئات حكومية 28% من الضرائب، أي من إيرادات قناة السويس، وشركات البترول، والبنك المركزي. في الوقت الذي تحصّل الدولة 16% فقط كضرائب من الشركات التابعة للقطاع الخاص، إضافة إلى القطاع شبه العام، ما يعني أن القطاع الخاص في مصر وأصحاب المليارات لا يدفعون سوى نسبة تتراوح من 10-12% من الضرائب. 

حل الأزمة الاقتصادية يحتاج لإجراءات سياسية

إن «أزمة المصروف المصري» هي أزمة لها حلول بالمعنى السياسي، من خلال إيقاف التهرب الضريبي الذي يقدر بـ200 مليار جنيه، يمكنه أن يحل جزءاً أساسياً من أزمة العجز في الميزانية، وعبر تجفيف منابع الفساد في الداخل المصري، وفرض ضرائب جديدة على الأرباح، يمكنها كلها من حل أزمة العجز. 

لكن، ولأن القرار لا يزال بيد الطغم المالية والمرابين فإن العملية ستكون مستحيلة. حيث أن الحل الوحيد لأزمة المديونية والمصروف المصري هي النمو الحقيقي المنتج للقيمة في القطاعات الصناعية والزراعية.