جبران الجابر جبران الجابر

أبعد من غزة ومرمرة

إذا حُسبت نسبة الذين قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي من متضامني أسطول الحرية لفاقت نسبة الكثير من المعارك الضارية، لكنها معركة بين من سلاحهم قيم التضامن الإنساني من جهة، وجنود مدججين بالسلاح من جهة أخرى، ويمثلون مختلف الأسلحة الإسرائيلية، بما فيها سلاح الطيران.

تطرح المجزرة الهمجية الصهيونية ضرورة تلمس الأهداف العميقة لتلك المجزرة الوحشية، التي هي أبعد من غزة ومرمرة. يصبح ذلك أمراً ملحاً لأنه من غير المعقول أن يقوم نتنياهو وحكومته وجنرالاته بذلك مصادفة، أو كردّة فعل، أو لمنع وصول أسطول الحرية إلى غزة، وليس من عاقل يمكن أن يرد إلى ذهنه أن المجزرة كانت نتيجة الغباء وقصر النظر كما تروج الدعاية الصهيونية وذيولها. ومهما كان تأثير التاريخ الصهيوني بمجازره المعروفة، فإن الفكر السياسي الصهيوني أراد تحقيق أهداف متشابكة ومتعددة ومرتبطة «بإقليم» الشرق الأوسط، وخاصة ما شهده من تغيرات جيوسياسية باتت في غاية الوضوح.

لقد انصب الحقد الصهيوني على مرمرة لأنها باخرة تركية، وكان قتل المتضامنين من الأتراك أمراً مقصوداً ومخططاً. وأراد الصهاينة توجيه رسالة واضحة إلى الحكومة التركية مضمونها إنذار الحكومة التركية والشعب التركي من «مغبة» الاستمرار في دعم نضال الشعب الفلسطيني، وأرادوا إبلاغ أردوغان أنه لا يمكن لتركيا أن تكون قوة إقليمية بعيداً عن الاتفاق والتنسيق مع الحكومة الإسرائيلية والمحافل الصهيونية، وتلك الرسالة، تحمل من الحقد والعداء الشامل والعميق، ما يجعل المرء يذهب باتجاه، أن "إسرائيل" تعد العدة لإضعاف الجيش التركي، خاصة وأن الاتفاقات العسكرية القديمة بين الدولتين تتيح "لإسرائيل" الضغط من هذه الزاوية بهدف إثارة البلبلة الداخلية، ناهيك عن أنها تسعى بسبل متعددة إلى إرباك حكومة أردوغان، وقد فكرت بكل العوامل التي يمكن أن تؤثر في الوضع الداخلي التركي.

لقد ملأ الغيظ عقول وقلوب الصهاينة للدور الذي قامت به تركيا في المسألة النووية الإيرانية، وبرهنت على أن إيران تتمتع بقابليات وتوجهات فعلية، لحل الخلافات بشأن برنامجها النووي.

لقد أكدت المجزرة الهمجية أن "إسرائيل" لا تحمل في جعبتها أي مشروع للسلام، وحتى لا تحمل مشاريع «تسوية»، وليس عندها إلا مشروع الاستسلام الكامل، وقد أكدت المجزرة أن الأبواب موصدة أمام السبل السياسية، ولا يقتصر الأمر على المسائل الجذرية، لكنه يشمل المسائل العادية، فما دامت المعركة الهمجية ضرورية مع أسطول الحرية، فما بالكم عندما يتعلق الأمر بالقدس الشرقية وقيام الدولة الفلسطينية والانسحاب إلى حدود ما قبل العدوان الإسرائيلي - الأميركي في حزيران عام 1967.

لم تكن تلك المجزرة مفاجأة للإدارة الأميركية، فبين إسرائيل والولايات المتحدة تحالف إستراتيجي وثيق، ولا يمكن "لإسرائيل" أن تقوم بفعلتها دون علم واستشارة الحكومة الأميركية ومكاتب البنتاغون، ولا يغيب عن الذهن أن "إسرائيل" ذاتها أعلنت مراراً عن نواياها العدوانية تجاه أسطول الحرية.

نضيف أن الحكومة التركية راكمت من الفعاليات والمواقف السياسية والاتجاهات الإستراتيجية، ما لا يروق للولايات المتحدة، ولا يتعلق الأمر بالسياسة الجديدة التركية في المنطقة، فالأمر يمتد إلى زمن الحرب العدوانية الكولونيالية على العراق.

 إن السياسة التركية تطرح بوضوح أن «الأوراق» ليست كلها في السلة الأميركية، وذلك يزعزع الكثير مما حققته الإدارات الأمريكية، وما تريد الآن أن تحققه وذلك تحت تركيز وترسيخ الوهم القائل إن كل الأوراق في السلة الأميركية.

طبيعي أن يكون تاريخ المجازر الصهيونية ذا تأثير في خيارات الفكر السياسي الصهيوني في ظروفنا الراهنة، وعلى سبيل التذكير فإن بن غوريون أمر بنسف الباخرة (التاليتا) في 20/6/1948 وغرق نتيجة ذلك /15/ يهودياً، وقبل ذلك نسفت عصابات الهاغانا باخرة (ستروما) في 24/2/1940 وكان عليها /700/ يهودي. إنها أمثلة تؤكد على عمق الطابع العدواني للفكر السياسي الصهيوني.

فشلت "إسرائيل" ومعها إدارة أوباما وأحزابها، فالحصار أخذ يتهاوى، وزادت شعبية الحكومة التركية ودورها، وتعمقت العزلة الإسرائيلية، وزاد العالم وعياً بخطر" إسرائيل "وعنصريتها وعدائها لكل ما هو إنساني، وجنرالاتها مجرمون محترفون خاصة وأن المجزرة جرت في المياه الدولية.

لا تُحسد إدارة أوباما على الثمار المرة من شجرة التحالف مع "إسرائيل"، فقد تبددت الأغشية والأوهام، وانكشف ما في جعبة إدارة أوباما من خطط وأهداف عدوانية، ولم تعد تسعف الولايات المتحدة مجاملات رئيسها، ولم تعد الصهيونية تلك القوة الخارقة، فقد انعكست الأمور، وتعرّت الأفكار العنصرية الصهيونية، وبات الكيان الصهويني يعاني من خطر وجوده بالذات..!

إن التطورات تذهب بجدية نحو القول إن تلك الدولة الصهيونية العنصرية لا مستقبل لها في المنطقة، وبقدر ما يتضمن ذلك، ويلفت الانتباه إلى عوامل الانهيار الصهيوني إلا أنه في الوقت نفسه يتضمن الاحتمالات المحتدمة والساخنة والعدوانية للتوجهات الصهيونية.