نحو استقرار نوعي جديد

عندما يكون هناك من يريد، تنفيذاً لمخطط خارجي أو دفاعاً عن مواقعه ومنافعه وموارد نهبه في وجه أي تحول جذري بات مستحقاً في البلاد، أن يقذف بسورية الدولة والمجتمع نحو المجهول تبرز المسؤوليات الوطنية ولاسيما لجهة الحفاظ على مصالح وإرادة غالبية السوريين أي الانتقال بسورية إلى استقرار نوعي جديد يقوم على احترام المواطنة والتوزيع العادل للثروة المنتجة وطنياً ويحافظ على ثوابت المواقف الوطنية والإقليمية وفي مقدمتها تحرير الجولان المحتل.

ضمن هذه اللوحة ومن أجل الانتقال الأقل كلفة باتجاه هذا التحول المنشود يبرز إلى جانب القرارات السياسية والحكومية دور الأداء الإعلامي وخاصة الرسمي منه. فإذا كانت هناك هجمة مركبة من الخارج وبعض الداخل ضد سورية تخلط الأوراق بهدف الوصول إلى «المجهول»، فإن الخطاب الإعلامي حول ما تشهده البلاد لا ينبغي أن يكون بشكل مباشر أو غير مباشر جزءاً من ذلك.

ففي الوقت الذي توجد في البلاد غالبية شعبية، صامتة أو متحركة، ترنو للتغيير والإصلاح الجذري والملموس، ويوجد أصحاب قرار يسعون للاستجابة لهذه المطالب «تدريجياً»، وتوجد أقلية خلايا لم تعد نائمة مرتبطة بالخارج تحاول ركوب موجة الاحتجاجات «لغاية في نفس يعقوب»، ويوجد أقلية من أصحاب مصالح متضررون من الإصلاح المطلوب مستعدون لتنفيذ كل الألعاب القذرة لإعاقة التغيير، وتوجد حلول أمنية بكل ما تختزنه العقليات الأمنية، فإن التعاطي الإعلامي ينبغي أن يكون مميزاً وكاشفاً إلى أبعد حد للتباينات بين كل هذه المكونات للمشهد السوري اليوم، لأن حصر وخلط كل حالات التململ والحراك الشعبي بصفات «المندسين» و«الجماعات والعصابات المسلحة» ومن ثم «السلفية والتكفيرية»، من دون تسليط الضوء على ما يدور بخلد عامة الناس ويجيب على تساؤلاتهم ويلجم تشتتهم، من شأنه من حيث لا يدري أن يضيع الحدود بين الأغلبية والأقلية، وربما يدفع هذه الأغلبية شيئاً فشيئاً نحو مواقع الأقلية.

إن تسمية الأشياء بأسمائها وفضح أن بعض الجرائم الفظيعة المرتكبة بحق ضباط وعناصر الجيش مثلاً هي جزء من مشروع أصولي يراد تطبيقه في سورية والمنطقة هي حالة مطلوبة ولكنها تصبح مناقضة لأهدافها إن كان يراد لها أن تنسحب على أي حراك في الشارع، على الأقل حتى ما قبل بيان الداخلية ليوم الثلاثاء 19/4/2011 المطالب بالامتناع عن التجمع والتظاهر، في الوقت الذي كان يجري الحديث فيه عن قرار حكومي يضمن حق التظاهر السلمي.

إن تسويق هذا الخلط إعلامياً يجعل حتى من احتفال عدد من السوريين في القريا بالسويداء مثلاً بعيد الجلاء هدفاً «مشروعاً» لتجمع مضاد محضر مسبقاً ونموذجه معمم في المدن السورية يقوم على «ضرورة» احتواء و«إدانة» أي تحرك في الشارع بوصفه «معارضاً»، من تحرك أكبر بوصفه «مؤيداً»..

يدافع أنصار هذا التوجه بأن المتظاهرين والمتحركين في الشوارع، سواء كانوا مجرمين أم سلفيين أم طلاب إصلاح أم محتجين على المعالجات الأمنية ونتائجها، «ما بينعطوا وش» وهم يرفعون رويداً رويداً من سقف مطالبهم، ووصلوا إلى حد المطالبة «بإسقاط النظام»..!    

المغالطة الأولى التي يقع فيها هؤلاء أنهم يعتبرون الاستجابة الرسمية للمطالب الشعبية تنازلاً وليس تلبية متأخرة لحق مشروع، والمغالطة الثانية هي أنه بغض النظر عن دوافع الفوضويين أو طلاب الثأر أو المخترقين للمجتمع والدولة الرافعين لشعار إسقاط النظام- وهم قلة حتى الآن، فإن ثنائية «المطالبة والاستجابة» ضمن ظرف داخلي وإقليمي محدد باتت تفضي فعلياً إلى تغيير ما على النظام في سوريةً، على الأقل من خلال جملة القرارات والمراسيم الصادرة التي تعلن صراحة ضرورة تغيير بعض معالم منظومة سابقة لتحل محلها معالم لمنظومة أخرى، وسيتحدد حجم هذا التغيير والاستقرار المنشود المبني على أساسه بمقدار شمولية الإجراءات التي يتخذها النظام لكي يستبق على كل المطالب، لا أن يحاول اللحاق بها فحسب، ولاسيما في ظل شراسة الهجمة السياسية والإعلامية الخارجية.

إن نتائج التغيير الجاري في سورية تتعلق آنياً بتسليط الضوء على كل ما تشهده البلاد من مختلف الزوايا، بما فيها مثلاً إعلان نتائج عمل لجان التحقيق المشكلة بخصوص الأحداث في عدد من المدن السورية. كما ترتبط هذه النتائج في نهاية المطاف بتغير الفهم والسلوك الاجتماعي المتكون خلال العقود الماضية لدى مختلف أطراف هذه العملية ومن بينها: الناس، الحكومة، النظام، الأجهزة الأمنية.

فهناك مواطن مثلاً إذا «عصلجت» معه معاملة أو جاره «المدعوم» تسبب له بأي إزعاج فإنه «يسب على النظام» دون أن يهتم حينها بأي دور سياسي إقليمي يعبر عنه النظام في المنطقة، وهناك شاب عاطل عن العمل وغير قادر على الزواج ويقف بالطابور أمام السفارات الأجنبية و«يسب على البلد» دون أن يميز أن البلد هو أهله وشعبه ودولته وليس فقط حكومة معينة بسياسات معينة أوصلته وآلاف غيره لهذا المزاج. وبالمثل هناك مثلاً عنصر أمن أو موظف حكومي إذا انتقدت الحكومة أمامه أو ذكرت مشتبهاً كبيراً بالفساد أمامه، فإنه يفسرها «معارضة للنظام»...!

وعلى اعتبار أن تغير السلوك الاجتماعي يحتاج وقتاً قد لا يتاح لسورية «ترفه» الآن، ولأن هناك بالطبع نماذج لدى كل الأطراف مغايرة تماماً للأمثلة المذكورة أعلاه ولديها فهم وإدراك لأبعاد ضرورات الداخل ومآرب الخارج، وأبعاد المصلحة الوطنية السورية، فإن هؤلاء هم من ينبغي أن ترتفع وتسمع أصواتهم، كي يجري الحفاظ على كرامة وأمن الوطن والمواطن.

20/4/2011

   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.