تركيا.. العد التنازلي مستمر!
واصل الأحمد واصل الأحمد

تركيا.. العد التنازلي مستمر!

لأيام خلت أخذت أحداث الداخل التركي حيزاً واسعاً من اهتمام وسائل الإعلام، ورغم أن الحديث عكس بالدرجة الأولى ترتيبات داخلية تتعلق بالطبقة السياسية الحاكمة إلا أن العديد من التحليلات ذهبت أبعد من ذلك حيث تعددت التفسيرات حول جوهر الحدث التركي، وخلفياته، ومآلاته المفترضة..


نعتقد أن فهم حقيقة الحدث التركي (الداخلي) فهماُ حقيقيأ يجب أن ينطلق من قاعدة المحرك الأساسي الذي يتحكم بمجمل التطور العالمي الراهن، ونقصد به تحديداً التوازن الدولي الناشىء، وخصوصاً في ما يتعلق بتلك الدول التي كانت تلعب دوراً محورياً كمراكز إقليمية - ومنها تركيا - لمصلحة المراكز الدولية التي كانت تهيمن على القرار الدولي، ففي ظل تراجع دور المركز الأساسي - الأمريكي الغربي -  يصبح تراجع دور المركز الإقليمي التابع أمراً محتماً، ويصبح عجز  الوكيل الإقليمي عن القيام بالدور الوظيفي السابق أمرأ واقعاً، والحال هذه فمن الطبيعي أن تتصدع بنية الطبقة السياسية الحاكمة في دولة مثل تركيا تعيش حالة تراجع.
تغيير الوظيفة:
بعد إعلان ما يسمى الحرب على الإرهاب، أنيط بتركيا الأردوغانية دور محدد تمثّل في أن تكون النموذج المعتمد الذي ينبغي تسويقه في بلدان المنطقة، ولتسويق هذا النموذج أعطي هذا النموذج هامشاً من الحركة والمناورة، وطرحت على إثر ذلك سياسة (صفر مشاكل مع الجيران)، وترويج خطاب شعبوي (ضد) «إسرائيل» لمحاكاة مزاج الإسلام الشعبي المناهض للعدو الصهيوني، وكل ذلك أدى إلى توّرم في الدور التركي على الصعيد الإقليمي، وتورّم في نفوذ الإسلام (المعتدل) على الساحة الداخلية التركيا وخصوصاً بعد امتداد الاستثمارات التركيا إلى دول الجوار، وانعكاس ذلك على تحسين مستوى الدخل الوطني ودخل الفرد، فتصرفت النخبة التركيا الحاكمة من موقع القوة والغرور في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، و على أساس ذلك، استحضرت عقلية الباب العالي في التعاطي مع الملفات الاقليمية وحتى الدولية، وهذا ما يفسر التصعيد التركي منذ بداية الأزمة السورية وفتحها الحدود على مصراعيه أمام المسلحين الأجانب وهو أيضاً يفسر انخراط النخبة السياسية الحاكمة في تركيا بالتحضير للعدوان المباشر على سورية، ولكن التوازن الدولي فرض معادلات إقليمية جديدة كانت تركيا في القلب منها بموجب التوازن السابق، فالدور التركي في الأزمة السورية رُسم على أساس التدخل العسكري الخارجي في الأزمة السورية، وجاء فشل التدخل العسكري المباشر من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ليكشف عن التراجع بشكل ملموس، فالتراجع والتخبط الأمريكي انعكس تخبطاً على حلفائه أيضاً، وإذا كانت البراغماتية الأمريكية استدعت التراجع المنظم والتكتيكي فليس من الضروري أن يأخذ تراجع الحلفاء - ومنهم تركيا - نفس الخيار، بل قد يأخذ مسارات دراماتيكية تمسّه مباشرة، طالما إن التراجع يستوجب تغيير الأدوات!؟
مع تجلّي التراجع انفجرت كل التناقضات على الساحة التركيا الداخلية دفعة واحدة، بدءأ من التراجع في الوضع الاقتصادي وليس انتهاء  بملف الأقليات، وبرز حصان طروادة في تركيا، (جماعة غولين) المعروف بارتباطاته الدولية ونشاطاته العالمية في الاقتصاد الأسود، مما أدى ببعض المحللين إلى الاستنتاج بأن تركيا الأردوغانية نفسها، كنموذج معتمد سابقاً استنفد دوره، وإن ظاهرة ما يسمى الإسلام المعتدل تلقت ضربة أخرى بعد سلسلة الضربات الموجعة في كل من مصر وتونس، وإن التراجع الأمريكي لا يتطلب تغيير التكتيكات فقط، بل يتطلب أيضاً وأيضاً تغيير الأدوات مضطرة إلى ذلك.