تقرير برنامج الأمن الغذائي العالمي حول سورية والاستقرار الوهمي
أصدر برنامج الأغذية العالمي في 30 تموز تقريره حول تكاليف المعيشة في سورية؛ حيث يعتمد البرنامج في تقريره على «سلة الحد الأدنى للإنفاق» وهي أداة إنسانية تقيس كلفة مجموعة محددة من السلع والخدمات التي تُعتبر «حداً أدنى للبقاء» في السياقات الطارئة.
إلا أن هذه المنهجية تبقى قاصرة رغم اعتراف التقرير بارتفاع كلفة المعيشة 33% خلال عام، وذلك لكونها لا تشمل تكاليف السكن، والمواصلات، والتعليم، والرعاية الصحية، واللباس، إلخ. أي إنها سلة «طوارئ» لا سلة «معيشة» بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي الكامل للكلمة.
ويقر التقرير بأن الحد الأدنى للأجور (12,560 ليرة) يغطي 75% فقط من المكون الغذائي لهذه السلة، و47% من قيمتها الإجمالية، وهذه النسبة قد تكون مضللة لأنها تستند إلى سلة ناقصة.
في المقابل، قدر مؤشر «قاسيون» في 28 حزيران، الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بنحو 79,879 ليرة؛ بمعنى أن الأجر الرسمي لا يغطي سوى 3 أيام من حاجة الأسرة المكونة من 5 أفراد للاستهلاك شهرياً، وتبقى 27 يوماً من دون أي مردود يُذكر لتغطية احتياجاتها الأساسية، وتعيش فعلياً على الديون والحوالات الخارجية وبيع ممتلكاتها والمساعدات التي خفضها برنامج الأغذية نفسه بنسبة 50%!
كما أن التقرير لا يأخذ في الحسبان تكاليف السكن؛ الإيجار الذي يُشكل عبئاً هائلاً. ولا المواصلات؛ التي ارتفعت مع ارتفاع أسعار المحروقات. ولا التعليم؛ الذي تحول إلى سلعة بعد تراجع دور الدولة. ولا الصحة؛ التي أصبحت كلفتها تدفع الأسر إلى بيع آخر ما تملك.
هذه الاحتياجات، التي تشكل 40% من إجمالي تكاليف المعيشة وفقاً لمؤشر «قاسيون»، هي غائبة تماماً عن سلة برنامج الأغذية العالمي.
وبتركيزه على السلة الغذائية بشكل شبه حصري، يُضفي التقرير صورة مضللة عن واقع المعيشة. فالأسرة التي تؤمن غذاءها بالحد الأدنى لكنها تعيش في مساكن تفتقر إلى الخدمات، ولا تستطيع إرسال أطفالها إلى المدرسة، ولا تستطيع دفع فاتورة الطبيب، هل يمكن القول إنها «تعيش»؟ قطعاً لا
وبقول التقرير إن الأجر يغطي 47% من السلة، فإنه يوحي بأن الفجوة ليست كبيرة. لكن إذا أضفنا التكاليف غير الغذائية الأساسية، نجد أن الفجوة تتسع ليغطي الأجر 9.8% فقط من الاحتياجات الأساسية. وبعبارة أخرى: الأجر لا يغطي سوى واحد من كل خمس احتياجات أساسية للأسرة، وليس «نصفها» كما يوحي التقرير.
بينما يقدم تقرير برنامج الأغذية العالمي صورة «متفائلة نسبياً» وإن كانت قاتمة، يبقى الواقع أشد قسوة وأكثر سوءاً. فالأسرة السورية لا تعيش على الخبز والعدس؛ بل تحتاج إلى سكن ملائم، وتعليم لأطفالها، ورعاية صحية، وملابس، ومواصلات. وحين تغطي الأجور أقل من 10% من هذه الاحتياجات، فإن الحديث عن «استقرار» في تكاليف المعيشة يصبح أقرب إلى «سخرية مريرة» من واقع لا يحتمل المزيد من التجميل.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290
سلمى صلاح