المراكز الصحية تخلو من الإسعاف، مسافات تبتلع الأرواح، ودوام يلفظ أنفاسه عند الثانية ظهراً...
رشا عيد رشا عيد

المراكز الصحية تخلو من الإسعاف، مسافات تبتلع الأرواح، ودوام يلفظ أنفاسه عند الثانية ظهراً...

لم تعد «إعادة الهيكلة» مجرد شعار بيروقراطي، بل تحولت إلى قناع تتخفى خلفه جريمة مكتملة الأركان، تسقط ضحاياها بصمت في القرى والبلدات السورية المهمَّشة.

فمن ريف طرطوس إلى بادية حماة الشرقية، ومن سهل الغاب إلى أقاصي دير الزور، تتكرر المأساة ذاتها، إغلاق مراكز صحية أو الإبقاء عليها مجرد كتل إسمنتية تاركة ملايين المواطنين بلا مأوى طبي في أتون معركة بقاء لا سقف لخسائرها، تحت رحمة المسافات القاتلة وجشع المشافي الخاصة.
مطلع عام 2025، شهدت طرطوس إغلاق نحو 20 مركزاً صحياً في بلدات وقرى متفرقة، تحت مسمى الإصلاح «إعادة الهيكلة»، ورغم إعادة فتح بعضها لاحقاً ودمج أخرى، إلا أن النتيجة كانت حرمان آلاف العائلات من خط الدفاع الطبي الأول، لتكشف شهادات ميدانية أن المراكز التي أعيد فتحها تحولت إلى هياكل فارغة من التجهيزات والكوادر، وكأن المطلوب ليس تقديم خدمة، بل محو الحاجة من ذاكرة الناس تحت وطأة اليأس.
ما حدث في طرطوس لم يكن استثنائياً، بل نموذجاً مصغراً لسياسة ممنهجة تمتد إلى كامل الجغرافية السورية.

ففي ناحية «العقيربات» بريف حماة الشرقي، حيث لا يوجد سوى مركز صحي وحيد يخدم نحو 800 عائلة وخدمات تكاد تكون معدومة، ويفتقر لأبسط مقومات العمل الطبي، فعند أي طارئ صحي، يضطر الأهالي إلى قطع نحو 45 كم باتجاه مدينة سلمية، في رحلة قد تكون الفارق بين الحياة والموت، إنها مذبحة بطيئة تُرتكب بحق ناجين من نزوح قسري، وفق سياسة حكومية تعمد تكريس نهج السلطة السابقة بمزيد من الظلم والإفقار!
وفي بلدة العزيزية بسهل الغاب، يقبع مركز صحي واحد لخدمة 10 قرى، حيث خدماته الضئيلة تكاد تنحصر في اللقاحات وتنظيم الأسرة والصحة الإنجابية وقياس الضغط والسكر، بينما تنعدم تماماً الخدمات الإسعافية الأولية، كما تؤكد مصادر أهلية، أنه مجرد محطة بيروقراطية تنتهي مهمتها بتحويل المريض إلى المستشفى البعيد.

أما في ريف دير الزور، تعاني منطقة العشارة من مركز موصوف رسمياً «بالمركز الصحي»، لكنه في الواقع هيكل مهلهل، ينقصه أبسط العتاد الطبي وبكوادر محدودة، وأقرب نقطة طبية حكومية منه يمكن أن تقدم تدخلاً علاجياً حقيقياً تقع على بعد لا يقل عن 60 كم في الميادين.
وكما في معظم المحافظات، غالباً ما تكون المشافي الحكومية هناك شبه معطلة، ما يرمي بالمريض المفقر في أحضان المشافي الخاصة، لتثقل كاهله المنهك بتكلفة علاج خيالية.
إنها هندسة اجتماعية مقصودة لإفقار الناس ثم إلقائهم فريسة لسوق الصحة المتوحش.
يتكرر المشهد نفسه في مدينة مصياف حيث تقتصر المراكز الصحية الرئيسية على النواحي، فيما تغيب عن القرى التي تبتعد 2-6 كم عن أي خدمة، أما المستوصفات الصغيرة القليلة المنتشرة في بعض القرى فتعاني من نقص مزمن في الكادر والمستلزمات أيضاً، والأدهى أن جميع هذه المراكز تعمل بنظام الدوام الجزئي الذي ينتهي مع نهاية الدوام الرسمي، وكأن المرض ينتظر ويراعي تقويم الموظفين، فماذا عن الحالات الإسعافية الطارئة ليلاً؟
ليصبح المواطن وحيداً تماماً، مجبراً على قطع مسافات مرعبة تتراوح بين12-35 كم في حدها الأدنى، مع ما يرافق ذلك من إرهاق نفسي ومادي أمام واقع معيشي واقتصادي خانق.
وفي كثير من الأحيان، يحسم عامل الزمن مصير المريض، وتكون النتيجة موتاً كان يمكن تفاديه لو كان أقرب مركز يؤدي وظيفته.

إن ما يحدث ليس إشكالاً تقنياً يعالج بترقيعات هنا أو هناك، إنها سياسة دولة تتخلى عن مسؤولياتها الدستورية والإنسانية تجاه مواطنيها، وتسلمهم بوعي إلى جحيم المرض والفقر، والموت المحقق. ليس مقبولاً أن يُختزل الحق في الصحة بمبانٍ فارغة، ولا أن يُساق الفقير مسافات الموت بينما هو يدفع ثمن حروبه عدة مرات.
المطلوب من الجهات المعنية ليس «خطة إصلاح» جديدة، بل تغيير جذري في فلسفة النظام الصحي برمته، بناء ـوإعادة تأهيل مراكز طبية متكاملة في كل تجمع سكاني، رفدها بالكوادر المؤهلة والمستلزمات الأساسية، وتحويل الدوام إلى خدمة طوارئ مستمرة على مدار الساعة قبل أن تزهق روح جديدة على قارعة طريق طويل، فالصحة حق لا امتياز، والمواطن ليس رقماً في ميزانيتهم التقشفية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1290