نزوحٌ وأزمة مياه... قرى سورية تدفع ثمن الإهمال بالهجرة!
يبدو أن أزمة مياه الشرب لم تعد تندرج ضمن الإطار التقليدي للخلل الخدمي، وتجاوزت ذلك إلى أزمة وجودية تمسّ صميم الاستقرار السكاني.
فما يحدث في عدة بلدات وقرى هو نموذج مصّغر لحالة سورية الجديدة التي تتشكل ملامحها تحت وطأة الإخفاق التنموي المزمن، واستنزاف القدرة الشرائية، وغياب الدولة، وتحول الخدمات الأساسية إلى سلع تتنازع عليها قوى السوق غير المنظمة.
جذور تمتد إلى عقود
تكشف الوقائع الميدانية عن أبعاد هيكلية للأزمة عمرها عقود؛ ففي خربة الشياب التابعة للكسوة بريف دمشق يعود انقطاع المياه الصالحة للشرب إلى عام 2006، أي إن الأهالي – ومن تبقى منهم لاحقاً – قضوا قرابة عقدين من الزمن يعتمدون على الصهاريج الجوالة.
أما في المطلة، ووفق تصريحات لبلدية العادلية في العام 2019، فإن القرية لا تمتلك شبكة مياه، ولا خزاناً، ولا بئراً حكومياً على الإطلاق.
نشأت القرية وكأن المياه ليست شرطاً أساسياً للحياة، ما جعل سكانها يعتمدون بنسبة 100% على الصهاريج الخاصة.
ورغم الوعود الرسمية التي أُطلقت عام 2019 بحفر بئر استراتيجي بعمق 1200 متر، ظل المشروع حبراً على ورق، وتلاشت الوعود ونُسيت.
اقتصاد العطش
مع اشتداد حرارة الصيف، استغل أصحاب الصهاريج الشح الحاصل في المنطقتين، ليقفز سعر 5 براميل بسعة ألف ليتر من المياه إلى ما بين 125 و150 ألف ليرة قديمة، مقارنة بـ 75 ألف قبل أشهر فقط.
وبغياب البدائل، بات صاحب الصهريج هو المزود الوحيد، والقادر على فرض أسعاره من دون أي رقابة.
وإذا افترضنا أن الأسرة في المطلة وخربة الشياب مكونة من 5-6 أفراد، وتحتاج إلى نحو 3 براميل يومياً للشرب والطهي والاستخدامات الأساسية، فإن فاتورة المياه الشهرية تصبح بالحد الأدنى 2,250,000 ليرة قديمة، وهو مبلغ يتجاوز بأشواط قدرة الغالبية العظمى من السوريين.
وقد وصف الأهالي هذا الواقع بأنه «استنزاف منهجي». ففي بلد يعاني فيه المواطن العادي من تآكل أجره وتراجع قيمة عملته، يصبح شراء المياه رفاهية. ومع عجز معظم العائلات عن توفير هذه المبالغ الطائلة، بدأت المؤشرات الأولى للنزوح تظهر، وغادرت بعض العائلات القريتين فعلياً، وهذا مع غياب إحصاءات حديثة حول تعداد السكان.
أزمة وطنية
وبالنظر شمالاً، يؤكد واقع قرى جبل عبد العزيز في الحسكة أن ما يحدث على الحدود الإدارية لريف دمشق هو جزء من نمط يتكرر.
فقد شهد شهر حزيران موجة نزوح جماعي من قرى مثل غرة والسرب ومخروم، وغادرت عشرات العائلات باتجاه لبنان خارجاً وبعض المحافظات داخلاً، نتيجة انهيار مصادر الرزق، بالتزامن مع تعطل محطات المياه التي يعتمد عليها 45 ألف نسمة في المنطقة.
فيما تنذر أزمة المياه في ريف حلب بسبب تضرر محطات الضخ والآبار، وقرى حوض اليرموك بدرعا بعد انهيار منسوب محطة «عين ذكر» نتيجة الآبار العشوائية والاستجرار الجائر للمياه الجوفية، بلجوء السكان إلى النزوح بوصفه الآلية المتبقية للتكيّف.
خيار البقاء مستحيل!
إذاً، ما كان يُتحدث عنه كاحتمال تحول إلى واقع ملموس. هذا النزوح الجديد المدفوع بالوضع الاقتصادي والمعيشي، يحمل معه سمات النزوح الدائم؛ لغياب أي مؤشر على حلول وشيكة.
والأخطر أن العائلات النازحة لا تتجه إلى فراغ، بل إلى مدن مثل دمشق التي تعاني أصلاً من اختناق سكاني وخدمي، وشبه انعدام لفرص العمل، ما يعني أن الأزمة تنتقل وتتفاقم وتتعمق أكثر في وجهات النزوح.
ولا سيما أن هذا النزوح سيؤدي إلى تغييرات ديموغرافية عميقة؛ فالقرى التي كانت تعتمد على الزراعة وتربية المواشي تفقد تدريجياً ميزتها الإنتاجية لتتحول إلى أراض جرداء.
ولأن المياه هي رمز للحياة والكرامة، ومؤشر للعدالة الاجتماعية، ومعيار للحضور المؤسسي، وشرط لاستمرار بقاء المجتمعات، يصبح ما يحدث اليوم في قرى معدودة – وغداً في غيرها – اختبار حقيقياً لقدرة الدولة على الوفاء بالحد الأدنى من الالتزامات اتجاه مواطنيها، ويؤكد أن الحلول الترقيعية لم تعد كافية في وجه تحديات متراكمة وعميقة الجذور.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289
سارة جمال