شهادات عليا بلا مستقبل... خلل السياسات التعليمية
تشكل العلاقة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً واستمرارية. فما يمكن وصفه «بالخلل» ليس وليد اللحظة؛ فهو نتاج تراكم سياسات تعليمية انفصلت عن الواقع الاقتصادي منذ عقود، وتفاقمت بفعل الحرب.
ولا يمكن النظر إلى تحذير نقابة أطباء الأسنان من افتتاح كليات جديدة إلا بكونه نقطة في بحر منظومة تعليمية تنتج سنوياً آلاف الخريجين في سوق عمل لا يستوعبهم، ولا يملك حتى القدرة على استيعاب من هم فيه بالفعل.
غياب التخطيط
تفتقر السياسات التعليمية إلى أي ربط جاد بين مخرجات الجامعات واحتياجات السوق المستقبلية. فالقرارات المتعلقة بفتح كليات جديدة أو زيادة أعداد المقبولين، سواء في الجامعات الخاصة أو الحكومية، تُتخذ من دون دراسة دقيقة لحجم السوق وقدرته الاستيعابية.
ولا يقتصر الضرر على تشبع السوق فحسب؛ فالتوسع الكمي غير المدروس يقود إلى تراجع جودة التعليم، ونقص في الكوادر التدريسية المؤهلة، وبالتالي تراجع مستوى الخريجين.
حلولٌ ليست بحلول
حتى آلية خفض نسب القبول ورفع المعدلات تبقى غير نافعة لمعالجة جوهر المشكلة، فهي تتجاهل السبب الجذري وهو غياب سوق عمل قادر على استيعاب الخريجين، بغض النظر عن أعدادهم.
ولا سيما وأن نسب البطالة في سورية تُقدر بأرقام مرعبة، تجاوزت 60%، ويعود ارتفاعها إلى انهيار شبه كامل في البنية الإنتاجية؛ نمو اقتصادي يقارب الصفر في القطاعين الصناعي والزراعي، وقطاع خاص منهك، وفرص عمل حكومية غائبة.
ولم يعد مستغرباً أن نجد سائق تاكسي أو عامل توصيل أو موظفاً في سوبر ماركت من حملة الشهادات العليا، نتيجة الفشل الذريع في ربط التعليم بالاقتصاد، وتحويل الشهادة الجامعية إلى وثيقة عديمة القيمة في سوق العمل.
وتشير استبيانات المجلس العلمي السوري في 27 أيلول 2025، إلى أن 56% من خريجي أقسام اللغات و40% من خريجي العلوم التطبيقية يعملون في مجالات لا تمت إلى اختصاصهم بصلة.
إعادة هيكلة جذرية
ما لم ترافق سياسات التعليم العالي سياسات اقتصادية شاملة تعيد بناء القطاع المنتج، وتخلق فرص عمل حقيقية، فإن أزمة البطالة بين حملة الشهادات ستظل عنواناً لخراب أكبر، يحمل في ثناياه تداعيات خطرة.
فأولاً؛ تتآكل ثقة الشباب بمؤسسات الدولة التي وعدتهم بالتعليم ثم خذلتهم في سوق العمل، عدا عن تفاقم الهجرة بحثاً عن العمل، ما يُفقد سورية مزيداً من طاقاتها الشابة وكفاءاتها، وأخيراً تراجع مكانة الشهادة الجامعية، التي يصبح الحصول عليها مجرد مضيعة للوقت والمال. خاصة مع تجاوز نسب الفقر 90%، وتفاقم معاناة الأسر التي أنفقت مدخراتها لتعليم أبنائها من دون أي عائد ملموس.
ويبقى الخيار الوحيد هو إعادة النظر في خريطة التخصصات بما يتوافق مع الاحتياجات، والربط بين البحث العلمي ومتطلبات التنمية، مع العمل الموازي على النهوض بالقطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة). فاستمرار الحال على ما هو عليه يعني أننا أمام جيش من الشباب عاطل عن العمل وينتظر مستقبلاً لا يلوح في الأفق.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287
نور الإبراهيم