موسم الحرائق في شهر... حرائقٌ بالآلاف والقادم ربما أعظم!
فرح شرف فرح شرف

موسم الحرائق في شهر... حرائقٌ بالآلاف والقادم ربما أعظم!

تشهد البلاد موجة عنيفة من الحرائق التي تلتهم المحاصيل وتُحيل آمال المزارعين إلى رماد.

وقد كشف عبد الحفيظ الطالب، رئيس قسم الإطفاء في إدارة الدفاع المدني، في حديث «لشبكة شام الإخبارية» عن مشهد كارثي يتمثل في أرقام غير مسبوقة.
ففي الفترة الممتدة من 15 أيار إلى 23 حزيران، استجابت فرق الدفاع المدني لـ 3365 حريقاً في المحاصيل الزراعية في عموم البلاد؛ وقد ارتفع المعدل اليومي للحرائق إلى 180 حريقاً، بحسب وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح.


تسلسل زمني للخسائر


في 19 حزيران كان سهل الغاب في ريف حماة الغربي مسرحاً لحريق واسع أتى على نحو 50 دونماً، من بينها 5 إلى 10 دونمات من القمح.
وبسبب الرياح النشطة انتقلت ألسنة اللهب في 20 حزيران من قرية أم عشبة في ريف الحسكة إلى جارتها المباركية، وبحسب تقديرات الأهالي الذين شاركوا في عمليات الإخماد، فإن المساحة الإجمالية المتضررة شملت 150 دونماً، إضافة إلى نحو 500 دونم من الأراضي التي حُصدت مؤخراً.
أما الفاجعة الأكبر كانت في الحسكة في 23 حزيران، حيث اندلعت النيران في أكثر من 35 موقعاً زراعياً:
ففي الريف الغربي للقامشلي، وتحديداً في محيط قرى كرصور ونيف وكرباوي وكري سبي، امتد الحريق إلى مئات الدونمات وهدد التجمعات السكنية، ما اضطر بعض عائلات هذه القرى إلى النزوح المؤقت عن منازلها خوفاً من اقتراب النيران.
واشتعلت الحرائق في تل كديش بريف القامشلي، وخربة الظاهر التابعة لناحية تل براك، وقرية برزان صفيا شمالي الحسكة.
بالإضافة إلى اندلاع النيران في قرى شمال شرقي الحسكة، كالغزيلة والهرمة بريف اليعربية، وقد وصلت إلى مناطق قريبة من عنفات استخراج النفط.
وفي ريف رميلان أجبرت الحرائق سكان منطقة الصبيحة إلى إخلاء مساكنهم.
كما التهمت النيران 100 دونم في قرية باقلا جنوب مدينة الجوادية، إضافة إلى 200 دونم من الأراضي المحصودة، ما أسفر عن دمار 3 مستودعات زراعية بالكامل.
وأتت الحرائق على ما لا يقل عن 350 دونماً، نحو 250 منها غير محصودة، بين اسكندرون وقرية دبانة.


أزمة الاستجابة


كشفت المعطيات الميدانية، منذ موسم الحرائق العام الماضي، عما تعانيه منظومة مكافحة الحرائق من نقص في الإمكانيات المادية والبشرية.
ونظراً لبعد المسافات وشح الآليات وغياب التنسيق تعجز فرق الدفاع المدني في كثير من الأحيان عن الوصول سريعاً.
ولا تقع المسؤولية على فرق الدفاع المدني فقط؛ حيث يغيب أي دور فاعل أو ملموس للبلديات والإدارات المحلية ومديريات الزراعة، ولا تُسخّر الإمكانات المتاحة لدى المنشآت النفطية في حقول الرميلان والجبسة، التي تمتلك صهاريج مياه وسيارات إطفاء خاصة بها.
عدا عن أن أصحاب الصهاريج الخاصة والآبار، الذين يُفترض أن يشكلوا خط إسناد قريب وسريع بالنظر إلى انتشارهم في قلب المناطق الزراعية، يظل دورهم مشلولاً أو غير مفعّل بالمرة؛ فهم إما يفتقرون إلى آلية استنفار تنظم حركتهم، أو يتقاعسون في ظل غياب التنسيق والحوافز.
هكذا يتحول المشهد مما يُفترض أن يكون «تكافلاً» إلى فراغ في المواجهة يتحمل المزارعون وحدهم نتيجته، بينما تبقى الإمكانات المتاحة على الورق خارج دائرة الاستخدام الفعلي.


فجوة الإحصاءات وشبح التعويضات الغائب


من أبرز الإشكاليات هي الفجوة الإحصائية الكبيرة. فالأرقام المتداولة لا تزال مجزأة ومستقاة من تقديرات متفرقة للمتضررين، في ظل غياب قاعدة بيانات حكومية موحدة ودقيقة ترصد المساحات المتضررة ونوعية المحاصيل وقيمتها السوقية.
وفيما يخص ملف التعويضات، يكتنف الغموض مصير الفلاحين المتضررين. ورغم الإشارات المتداولة حول وجود تعويضات، إلا أنه لا توجد حتى اللحظة خطة واضحة وشاملة لعلاج حجم الخسائر الهائل.
فالمزارعون الذين استدانوا وقاموا بتأمين تكاليف البذار والمحروقات والمبيدات، أصبحوا اليوم من دون محصول يُذكر، وسط صمت رسمي يثير الاستياء ويعمق أزمة الثقة بين الفلاحين والدولة، ولا سيما بالنظر إلى تسعيرة محصول القمح غير المجزية ووقائع صعوبات تسويقه.


ما زلنا في البدايات!


لا تكشف الحرائق حتى الآن عجزاً لحظياً أو طارئاً، بل عن خلل بنيوي متراكم في إدارة ملف الكوارث، خاصة الزراعية. ومواجهة هذا الخلل يتطلب أكثر من مجرد جهود يومية؛ إنها دعوة مفتوحة وملّحة للانتقال من منطق ردود الفعل إلى منطق الاستباق والتخطيط، مع ضرورة ملء الفراغ الإحصائي الفادح الذي يحجب الحجم الحقيقي للكارثة، وتفعيل آليات تعويض عادلة وفورية تحمي الفلاحين من الانهيار، وتصون الأمن الغذائي الذي يظل ركيزة لا غنى عنها للاستقرار الاجتماعي.
فالمؤكّد أن موسم الحرائق لم ينتهِ، ومع ارتفاع درجات الحرارة تلوح أمامنا الخشية المشروعة من مسلسل حرائق الأحراش والغابات.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1284